راديو الاهرام

«الحياة بجوار ثلاجات الموتى» .. لعنة المشرحة تطارد العاملين فيها وأسرهم | تحقيق

1-8-2022 | 21:45
;الحياة بجوار ثلاجات الموتى;  لعنة المشرحة تطارد العاملين فيها وأسرهم | تحقيق محرر بوابة الأهرام مع أحد فنيي التشريح
تحقيق : أحمد سعيد حسانين

- «لسنا جزارين».. تحقيق يكشف الحياة الخفية لـ«حراس الموتى»

موضوعات مقترحة

- جدران المشرحة شاهد عيان على قصص حب وحكايات مثيرة في عالم الأموات

- شبح الوصم يطارد العاملين بمهنة التشريح 
 
«أكثر موقف صعب واجهته في حياتي لما بنتي شافت بالصدفة اسمي منشورًا في إحدى الصحف، وعرفت أني بعمل فني تشريح بالمشرحة، اتصدمت في البداية، وسألتني: ليه بابا الشغلانة دي بالذات، اشمعنى الوظيفة دي؟».
 
«يوسف محمد» (اسم مستعار)، يعمل فني تشريح بمشرحة زينهم بالسيدة زينب (جنوب القاهرة)، حاول تجاوز صدمة ابنته، التي لم تتجاوز من العمر 13 عامًا، محاولًا شرح طبيعة عمله لها وأسباب اختياره لتلك الوظيفة، قائلًا: «دي مهنة كويسة وليها هدف، ولما تكبري وتبقي دكتورة هتفهمي الهدف من وظيفتي، وهتعرفي إننا مش زي الناس ما بتشوفنا، جزارين وبنقطع في البني آدمين، إحنا بنحاول نوصل لحق الميت اللي مش قادر يتكلم ونظهر الحقيقة".
 
«يوسف محمد»: الوصم يطاردني بسبب وظيفتي
 
مرت تلك اللحظات ثقيلةً على الشاب الثلاثيني، الذي حاول إقناع ابنته بكل الطرق وتبرير سبب اختياره للوظيفة، وكأنه متهم يدافع عن نفسه في ساحة محكمة، ولكن الفتاة ظلت متوجسة، وكان كل ما تخشاه أن يسألها زملاؤها في المدرسة عن طبيعة عمل والدها، وأخذت وقتًا طويلًا حتى استوعبت الأمر.
 
رغم تجاوز ابنته صدمة اكتشاف وظيفته؛ إلا أن ذلك الموقف دفع «يوسف» للتفكير في الابتعاد عن الوظيفة نهائيًّا، يقول لـ«بوابة الأهرام»: «فكرت أكمل جامعة، وأسوي شهادتي، وأشتغل موظفًا، وأبتعد نهائيًّا عن مهنة فني التشريح عشان أسرتي، لأني خايف يتعرضوا لمضايقات بسبب وظيفتي».
 
لم يكن الموقف الصعب الذي عاشه «يوسف محمد» إثر اكتشاف ابنته طبيعة وظيفته هو الأول؛ بل سبقه الكثير من الصعوبات، جراء الوصم المجتمعي الذي يتعرض له يوميًّا، منذ تقديم أوراق التحاقه بالعمل داخل مشرحة زينهم قبل عدة سنوات.
 
«مش عاوز أظهر بوشي علشان خايف على أسرتي، وخايف إن ناس كتير بيتعاملوا معايا وميعرفوش طبيعة مهنتي، يقرفوا مني أو يبعدوا عني، لأنهم شايفنا جزارين»، يكمل «يوسف»
 
نظرة المجتمع لـ«يوسف» كانت تدفعه للحرص على عدم إظهار بطاقة هويته المدون بها وظيفة "حرفي تشريح" أثناء ذهابه لأي مؤسسة أو جهة حكومية، وحين يضطر لإبرازها كان البعض يتعامل معه باعتباره "عزرائيل"، حسب تعبيره.
 
لم تكن معاناة "يوسف" مع الغرباء فحسب، بل كانت أيضًا مع أقرب المقربين منه، يقول عن ذلك: "ماحدش كان عارف طبيعة مهنتي سوى والدتي وأشقائي والأصدقاء المقربين مني للغاية، وأخفيت الأمر عن زوجتي حتى علمت بوظيفتي وتخوفت في البداية، إلا أنها تأقلمت بعد ذلك".
يوسف محمد يروي معاناته
 
رائحة الموتى 
 
بجوار ثلاجات الموتى يقضي "يوسف" أغلب أوقات يومه: "كان الموضوع صعبًا في البداية بالنسبة إليّ، أن أعيش حياتي بجوار ثلاجات فيها أموات، وأن آكل وأنام وأشم رائحة الموتى، كان أمرًا لا يحتمل، ولكن مع مرور الوقت أحببت مهنتي، وساعدني على ذلك أن 99% من أصدقائي لم يعرفوا طبيعة مهنتي باستثناء المقربين، وحينما علم البعض تجنبوني".
 
حاول الشاب الثلاثيني التعايش مع المضايقات اليومية، والتي كانت أشبه بحجر ثقيل على قلبه، حتى وجد في الانعزال ضالته، مفضلًا العيش مع الأموات في العالم الموازي. وفي خضم عزلته كان يتساءل: "هل أنا بشتغل مهنة حرام بتخلي الناس تتجنبني ومتسلمش عليا ويبعدوا عني؟".
 
محاولات عديدة خاضها «يوسف» للعثور على وظيفة إضافية لتدبير نفقات المعيشة، وتحسين وضعه الاقتصادي انتهت جميعها بالفشل بسبب مهنته.
 
كان أكثر ما يشغل بال «يوسف» ويؤرقه يوميًّا، تلك اللحظة القادمة التي سيأتي فيها شخص ليطلب الزواج من ابنته حينما تكبر، وتسأل أسرة العريس عن طبيعة مهنته، وينكشف أمره، ويتم رفض الزواج بسبب ذلك الأمر، يقول: «خايف جدًّا من اللحظة دي، إني أكون كسرت بنتي بسبب مهنتي».
 
حكايات حبيسة خلف جدران المشرحة
 
معاناة «يوسف» ليست الوحيدة التي يعاني منها العاملون خلف جدران ذلك المكان المخيف، الذي يحوي قصصًا وحكايات اعتاد أصحابها أن تظل حبيسة داخلهم لا يعرف أحد عنها شيئًا، مُفضلين الصمت والهروب من صخب الحياة العادية، والعيش في عالم موازٍ ليس خوفًا على وظائفهم فحسب، بل خشية من الوصم الذي يتعرضون له من أقرب الناس إليهم كذلك.
 
ثلاجات متراصة بجوار بعضها، روائح كريهة تزكم الأنوف، وصمت تام لا يكسره سوى أصوات مناشير تشريح عظام الموتى، وآيات قرآنية تزين الجدران، مشهد دائم اعتاد عليه العاملون في المشارح، أو من يطلق عليهم "أصدقاء الموتى" الذين اعتادوا الحياة وسط الأموات.
 
«بوابة الأهرام» تكشف في تحقيق استقصائي – استغرق إعداده نحو عام ونصف - شمل مقابلاتٍ مع عاملين بمهنة التشريح: أطباء شرعيين، وفنيي تشريح، ومغسلي موتى، ومسئولين، شهادات موثقة، تكشف تعرّضهم لـ«وصم مجتمعي» بسبب عملهم، مما اضطرهم لإخفاء طبيعة مهنتهم حتى عن المقربين منهم، بالإضافة إلى تعرضهم لمخاطر صحية، جراء التعامل مع جثث بعضها قد يأتي مُصابًا بأمراض خطيرة، في ظل غياب الرقابة الدورية وإجراءات الوقاية والسلامة.
 
«يسري»: الناس يتجنبونني.. و«إحنا مش جزارين»
 
اعتاد "يسري أحمد"، الذي قضى أكثر من 12 عامًا كـ«مغسل للموتى» بمشرحة زينهم، الحضور مبكرًا إلى عمله في المشرحة في تمام الساعة التاسعة صباحًا، لاستقبال الحالات وتجهيزها للحفظ أو إدخالها لصالة التشريح، حسبما يتراءى للطبيب الشرعي، ثم إجراء عملية الغسل للمتوفى بعد ذلك.
 
نزعة والده الدينية الذي كان إمامًا وخطيبًا بأحد المساجد في إحدى قرى أسيوط، ورثها عنه نجله "يسري" فجعلته لا يبالي كثيرًا بنظرة المجتمع له ولوظيفته، إذ يقول: "أنا بشتغل شغلانة فيها أكبر ثواب عند الله، ومش فارق معايا نظرة المجتمع لي، ولا الناس بتقول إيه، في ناس بتتجنبني، وبعض أصحابي تجنبوني فعلًا، وكنت حاسس إنهم خايفين مني لأن حياة المشرحة تخوف فعلًا، بس ده حرية شخصية، إنما أنا عايش حياتي بشكل طبيعي ومافيش أي مشكلة على الإطلاق، وعندي إيمان كبير بربنا".
 
لم يستطع "يسري"، الذي جاء وافدًا من ديروط بمحافظة أسيوط، أن يغالب دموعه وهو يتحدث إلى "بوابة الأهرام" حين تحدث عن المرة التي بكى فيها أثناء رؤيته لجثة طفل صغير أمامه، قائلًا: "مقدرتش أمسك نفسي لما شوفت الطفل قدامي، حسيت كأنه فيه شبه من ابني بالظبط، وشعرت إني في مكان أبوه، ولاقيت نفسي فجأة ببتعد أول ما شوفته، إحنا بني آدمين مش جزارين زي ما الناس فاكرة".
 
وعلى عكس زملائه في المهنة، منذ اللحظة الأولى التي التحق فيها بوظيفته، صارح "يسري" زوجته، التي تقبلت طبيعة عمله، وحاولت أن تتأقلم مع ظروف مهنته.
 
لا يعبأ "يسري" بحالة الجثة التي يقوم بتغسيلها، ويقول: "لا أخشى المرض أو الموت، ولم أتعرض للإصابة بأي مرض خلال فترة عملي بالمشرحة، كله بإيد ربنا واللي عايزه هيكون، والواحد معرض للمرض فى أي مكان، وأول ما بنعرف إن الحالة ممكن تكون مصابة بأي مرض بعقّم نفسي كويس وآخد وسائل الأمان والحماية الكافية سواء كمامات أو جوانتيات".
 
ويُضيف "يسري": "مش بخاف إني أغسل الجثة، لأني لو حسيت بخوف مش هشتغل نهائيًّا، أنا مش بدور على الفلوس أو الرزق، ولو عايز فلوس ففي مهن كتيرة يمكن الكسب منها، ولكن أنا بعمل ده إرضاءً لوجه الله، وإحنا كمغسلين مش تابعين إداريًّا لدار التشريح، ومصدر رزقنا من الأهالي".
 
"يسري" الذي اعتاد لسنوات تغسيل الموتى، لم يتمالك نفسه في اللحظة التي توفيت فيها والدته بالصعيد، ولم يستطع الوقوف على خشبة الغسل كما يفعل يوميًّا، يقول: "حسيت إن فيه حاجة هزتني ومقدرتش أكمل".
يسري أحمد
 
هشام محمود: حق الميت في رقبتنا.. وأحببت العمل في المشرحة
 
قبل أكثر من 6 سنوات، وقف "هشام محمود"، فني تشريح بمشرحة زينهم بالسيدة زينب، بجوار والده، يتفحص وجوه العاملين داخل المشرحة، وينظر ببعض الرهبة لشكل ثلاجات الموتى المتراصة إلى جوار بعضها بعضًا والدماء المتناثرة في أرجاء المكان، ويراقب باهتمام عمل الطبيب الشرعي وعدد من مساعديه، ويدقق في كافة التفاصيل بعناية شديدة، ويلحظ كل صغيرة وكبيرة يقوم بها كل من يوجد داخل هذا المكان الموحش.
 
أجواء المشرحة، التي تثير الرهبة داخل كل من ينظر إلى جدرانها من الخارج للوهلة الأولى، كانت على النقيض مصدر إعجاب وإبهار للشاب الثلاثيني، الذي تملكه شعور برغبة غامضة في العمل في هذا المكان.
 
رغبة "هشام" قوبلت بمعارضة والده في البداية، والذي كان يعمل فنيًّا مختصًّا بالأشعة بمصلحة الطب الشرعي، إلا أن الشاب ظل مُصرًّا على رغبته، حتى جاءت اللحظة المناسبة التي أخبره فيها والده بصدور إعلان عن تعيينات لوظائف داخل المشرحة، فتسمك الشاب بالفرصة رغم محاولات والده المستميتة لإقناعه بالعدول عن رأيه.
 
"والدي كان رافض تمامًا فكرة إني أشتغل في المشرحة، وماكنش حابب أشوف اللي شافه، وكان فاكر إن عندي رغبة في التعيين لمجرد الوظيفة فقط، وماكنش حابب تكون نهايتي في مكان كله أموات، ولما أصريت على قراري وأقنعته بحبي للعمل في المشرحة، قال لي: أنا برأت ذمتي منك وأنت حر"، يقول "هشام".
 
تخطّى "هشام" - الذي يرتدي الزي الرسمي للمشرحة (تي شيرت وبنطال أزرقان)-  كافة الإجراءات المتعلقة بالوظيفة والتحق بها، ليجد نفسه في عالم جديد مع الأموات، يقول لـ"بوابة الأهرام": "أنا حبيت المشرحة لأن حياة الأموات هادئة ومفيش خوف منهم، وما حدش فيهم ممكن يضرك، وبشوف الناس على حقيقتها".
 
مرت الأيام الأولى على "هشام" داخل المشرحة ثقيلة، بسبب رائحة جثث الموتى التي كانت تفوح من كافة أرجاء المكان، ومشهد الدماء المتناثرة على طاولات التشريح ومشاهدة الجثث المتعفنة، وهي المشاهد التي ظلت عالقة طويلًا في ذهنه وأفقدته القدرة على تناول الطعام لفترة طويلة، حتى اعتاد تلك الأمور تدريجيًّا وبدأ يتأقلم معها.
 
لم يُخْفِ "هشام" خلال مقابلته مع "بوابة الأهرام" استياءه من نظرة المجتمع للعاملين بمهنة التشريح، إذ يقول: "المجتمع شايفنا جزارين وبلا قلب، وأحيانًا أجد بعض زملائي المقربين يسخرون من عملي، ويقولون لي: أنت عشماوي، أنت قتال قتلة، أنت بتشرح جثث، ورغم ذلك مش بيهمني تشبيه حد لأني بحب المكان فعلًا ولي الفخر إني بشتغل فيه، علشان كده إحنا حياتنا مخفية وراء الشمس".
هشام محمود
 
لا يبالي "هشام" بالأقاويل عن حكايات العفاريت داخل المشرحة، ويقول: "أنا بنام كتير لوحدي في المشرحة مع الأموات، وحكايات العفاريت ممكن ترجع للعقل الباطن للإنسان، والأمر كله يتعلق بالإيمان بربنا".
 
 يؤكد الشاب الثلاثيني أن مشاهد الأطفال الموتى من أكثر المواقف المؤثرة بالنسبة له، قائلًا: "مش قادر أنسى لحد دلوقتي مشهد الطفلة التي توفيت في انفجار كنيسة الوراق حينما جاءت لابسة فستان عروسة وصندل جديد، أول ما استلمت جثتها بكيت، لأنها طفلة بريئة ملهاش ذنب في أي حاجة، وعمرها راح هدر".
 
"هشام" يشدد على أنهم لا يميزون بين الجثث التي يتعاملون معها وفق أديان أصحابها أو طبقاتهم الاجتماعية، ويقول: "كل الجثث اللي بتجيلنا سواء، مافيش فرق بينها، إحنا بنعامل ضميرنا فقط لأن الميت ده بيكون أمانة".
 
"كمال": الموت أصبح يلاحقني بعد إصابتي بـ« الدرن»
 
في 13مارس 2016، توجه "كمال مصطفى" (اسم مستعار) إلى مقر عمله بالمشرحة، لتجهيز الأدوات اللازمة لمساعدة الطبيب الشرعي أثناء التشريح واستلام الجثمان، إلا أنه على غير المألوف شعر بحالة من الإرهاق الشديد ولم يكن قادرًا على التنفس بشكل طبيعي، وتكرر ذلك الأمر لفترة من الوقت، حتى نصحه الأطباء وزملاؤه في العمل بضرورة التوجه لطبيب للاطمئنان على حالته الصحية.
 
حاول الشاب الثلاثيني، ذو الجسد النحيف والطويل، التغلب على ما يعانيه من آلام بإيهام نفسه بأنها أعراض مؤقتة سرعان ما ستزول، إلا أن الشعور بالتعب تزايد بمرور الوقت، ولم يكن أمامه سوى الذهاب إلى طبيب.
 
في منزل مكون من طابقين بإحدى قرى البحيرة، يعيش "كمال" برفقه زوجته و4 من أبنائه، وبعد محاولاتٍ عديدة من أجل إقناعه بإجراء مقابلة مع " بوابة الأهرام " وافق على الحديث، شريطة عدم الكشف عن هويته.
كمال مصطفى اسم مستعار
 
كانت المفاجأة الصادمة التي أطاحت باتزان كمال أن أخبره الأطباء، بعد توقيع الكشف الطبي والاطلاع على الأشعة المقطعية والفحوصات الطبية، أنه مصاب بمرض "الدرن".
 
"كنت شغال حارس أمن في الإمارات لمدة عامين، ولما رجعت كنت عاوز أي وظيفة اشتغل فيها، لاقيت مسابقة للوظائف في الطب الشرعي ومفيش إقبال كبير عليها، وأنا كان عندي خلفية عنها من إخواتي اللي شغالين نفس المهنة في الإمارات، رحت قدمت واتعينت وحبيت الشغلانة"، يقول "كمال".
 
لم يتخيل "كمال" أن المهنة التي فَرِح بها ستتحول إلى كارثة تهدده، وقد تُودي بحياته بين لحظة وأخرى، ليصبح ضيفًا دائمًا على المستشفيات وأماكن الفحوصات والتحاليل.
 
فلم تمضِ أشهر قليلة على تعيين "كمال" في وظيفة فني تشريح حتى تدهورت حالته الصحية كليًّا بعد اكتشاف إصابته بمرض الدرن من خلال الأشعة المقطعية ونتائج تحليل العينات التي أجراها، ولم يكد يُفِق من الصدمة حتى ظهرت عليه أعراض مرض الروماتويد.
 
يقول "كمال": "لقيت نفسي فجأة عندي الدرن. ربما العدوى أصابتني عن طريق جثة مُصابة بالمرض، وبعدها اكتشفت أني أصبت بالروماتويد، واضطريت أعمل عملية بزل، وكنت باخد حقن الديبروفوس لعلاج الروماتويد والمفروض ماكنتش أخدها على طول، بس هي اللي كانت بترحمني من الألم، ولأن أدوية الروماتويد اللي كانت بتتصرف لي كانت بتنيمني ولو مشيت عليها كنت هاغيب من الشغل، لكن الحقنة دي عملت لي مضاعفات مياه على الرئة الشمال".
كمال مصطفى اسم مستعار مع محرر بوابة الأهرام
 
 
وبحسب "كمال"، فإن كافة الفحوصات الطبية التي أجراها بغرض الالتحاق بالوظيفة منذ 2 أكتوبر 2011 وحتى الموافقة على تعيينه عام 2012، أثبتت أن حالته الصحية "لائق صحيًّا، ولا يعاني من أي أمراض".
 
"كمال" يؤكد أنه أثناء تشريح الجثث التي يعلم بأنها مُصابة بأمراض خطيرة كان يرتدي "3 أو 4" قفازات، حسب تعبيره، بالإضافة إلى كمامة، لتأمين نفسه من أي عدوى.
 
اللحظة الأشد صعوبة على الشاب الثلاثيني تجلت حينما طالبته الطبيبة، التي توقعت الكشف الطبي عليه، بعمل تحاليل لزوجته وأبنائه للتأكد من عدم إصابتهم بالعدوى من مرض الدرن، فتملكه شعور بالرعب الممتد حتى التأكد من أن نتائجهم سلبية.
 
يضيف: "عشت أصعب لحظات حياتي، وكنت باخد 23 حبة دواء صباحًا قبل الإفطار بساعتين لمدة 6 أشهر، يعني بما يعادل 180 يومًا من العذاب، وكنت معزولًا تمامًا عن اللي حولي طوال 9 أشهر فترة العلاج، أتناول الطعام بمفردي، ولا أختلط بأحد، وكانت النتائج بتظهر سلبية، ولكن بجيب دم من فمي".
 
ورغم الصعوبات الصحية التي واجهها "كمال"، إلا أنه كان يمارس عمله على فترات متقطعة، فيما أشادت كافة تقارير المسئولين الذين أشرفوا عليه بجهوده أثناء العمل، رغم تدهور حالته الصحية.
 
"كنت باخد أجازات بأجر كامل من ساعة اكتشاف إصابتي بمرض الدرن، وأجريت أكتر من عملية جراحية، وأُصبت بأمراض كفيلة بأنها تهد أي بني آدم، وبعض الأطباء في التأمين الصحي عرضوا عليّ أن يتم منحي تقريرًا يوصي بـ(عمل مخفف)، لكنني تخوفت من قطع عيشي في المشرحة، وبالتالي لا أستطيع الإنفاق على زوجتي وأولادي الأربعة"، يقول "كمال".
 
في المقابل، حاولت زوجته، مرة بعد مرة، إقناعه بترك الوظيفة، لا سيما وأن حالته الصحية تدهورت والراتب لا يكفي، إلا أنه كان يرفض قائلًا: "أنا بحب مهنة التشريح، وأكل عيشي يستدعي أعمل أي حاجة، ونفسي أكمل فيها بس ظروف مرضي صعبة".
 
ويُضيف "كمال": "الموت أصبح يطاردني طوال الوقت، والدنيا اسودت في وجهي، وبيجي لي ضيق تنفس من وقت للتاني، وساعتها لازم أجلس على وضع معين علشان النفس يدخل ويخرج بشكل طبيعي، وأصعب شيء ممكن الواحد يحس بيه لما يكون عنده ابن عمره 9 أشهر ومش قادر يشوفه، أو يختلط به، لأن الأمراض اللي عندي خطيرة ومعدية".
صورة من إحدى الشهادات الصحية
 
وما ضاعف من صعوبة الأمر وقسوته على "كمال"، أن ابنه وُلد مريضًا بثقب في القلب، وهو ما يتطلب منه الذهاب به إلى الأطباء والمستشفيات لمتابعة حالته الصحية واتخاذ الإجراءات اللازمة لعلاجه، وهو ما زاد العبء عليه في التكاليف المادية التي توزعت بين علاجه وعلاج نجله، وبالكاد لم يعد راتبه كافيًا، فاضطر لإنفاق كل الأموال التي جناها أثناء غربته في الإمارات.
 
الحداد: لا توجد أي فرصة لانتقال العدوى من المتوفي إلى الشخص الحي
 
في المقابل، يؤكد الدكتور أمجد الحداد، رئيس قسم الحساسية والمناعة بالمصل واللقاح، أنه لا توجد أي فرصة لانتقال العدوى من المتوفَّى إلى الشخص الحي، طالما اتخذ إجراءاته الوقائية والاحتياطات اللازمة له أثناء العمل.
 
"الحداد" يقول لمعد التحقيق: "الميت لا ينقل عدوى تنفسية، لأنه لا يخرج منه رذاذ أو إفرازات، من عطس أو كحة أو ما شابه ذلك"، مستشهدًا بعدم انتقال فيروس كورونا من المتوفين إلى الأحياء، لأن الفيروس يحتاج إلى خلية حية يتكاثر فيها، وبمجرد موت الشخص تموت الخلية نفسها، حسب قوله.
 
أستاذ الطب الشرعي والسموم: تصور المجتمع عن تلك المهنة أنه يتعامل مع الأموات ويقوم بالتشريح فقط غير دقيق
 
"بوابة الأهرام" تواصلت مع الدكتورة "دينا شكري" أستاذ الطب الشرعي والسموم الاكلينكية، لسؤالها بشأن حقيقة معاناة العاملين بالمشارح مع نظرة المجتمع لتلك المهنة، إذ تقول أن تصور المجتمع عن مهنة الطبيب الشرعي أنه يتعامل مع الأموات، ويقوم بالتشريح فقط، تصور غير دقيق، مؤكدة أن 85% من العاملين بالطب الشرعي يتعاملون مع الأحياء مثل توقيع الكشف على حالات ادعاء الإصابة من الاعتداءات الجنسية.
الدكتورة دينا شكري
 
أستاذ الطب الشرعي أكدت أن استقبال المجتمع للشخص الذي يتعامل مع الموتى من واقع أنه يقوم بتشويه الجثث أو العبث بها «غير مقبول».
 
وتضيف، أن نظرة البعض لمهنة التشريح جعلتها من الوظائف التي لا تشهد إقبالا متزايدا في بعض بلدان العربية، وهو ما دفع تلك الدول لاستقطاب العديد من الأطباء الشرعيين في مصر للاستفادة من خبراتهم مقابل منحهم رواتب عالية.
 
ولفتت إلى أن عدد الأطباء الشرعيين "ضئيل للغاية" لتغطية كافة محافظات الجمهورية، متسائلة: "أقسام الطب الشرعي في الجامعات أقسام مكتملة الأركان، ولكنهم لا يمارسون إلا الجانب الاستشاري فقط، لماذا لا يتم تحليفهم لممارسة الطب الشرعي؟".

أستاذ علم الاجتماع: بعض الأشخاص مصابون بحالة تشاؤم بمجرد سماع طبيعة وظائف بعينها 

وتعقيبًا على حالة الوصم التي يعاني منها العاملون بمهنة الطب الشرعي ونظرة المجتمع السلبية لهم، تقول الدكتورة هالة منصور أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن نظرة المجتمع لبعض المهن والوظائف مثل العاملين بمجال التشريح بصورة سلبية يرجع إلى مستوى الوعي والثقافة في الدوائر المحيطة بهم، مشيرة إلى أن النظرة الاجتماعية ترتفع مع ارتفاع درجة الثقافة والوعي التي تجعل الأشخاص قادرين على استيعاب كافة الظروف والمتغيرات.

وتضيف لمعد التحقيق، أن بعض الأشخاص في المجتمع مصابون بحالة تشاؤم بمجرد سماع طبيعة وظيفة معينة حيث ترتفع لديهم تلك النزعة، ولكي يتم التغلب على تلك الحالة ينبغي أن يتم كسر حاجز الخوف في البداية والتعود على تقبل مهن الآخرين أيا كانت وظائفهم.

تكمل، نحن في أمس الحاجة لشغل تلك الوظائف الصعبة والضرورية، قائلة « أتذكر حينما قررت إعداد أول بحث اجتماعي في مهنتي كان عن سكان المقابر وشعرت برهبة في تلك اللحظة ولكن مع التعود لم يعد هناك مجال لهذا الشعور إطلاقا».

الدكتورة هالة منصور
 

استشاري طب نفسي: مشكلة الوصم للعاملين بالتشريح قد تمتد للأسرة بأكملها

ما قالته الدكتورة هالة منصور يتوافق مع حديث الدكتور محمد محمود حمودة استشاري ومدرس الطب النفسي بطب الأزهر، إذ يقول إن مهنة الطب الشرعي والتشريح من المهن الصعبة والتي تواجه حالة من الوصم المجتمعي والتنمر من قبل البعض بسبب طبيعة عملهم مع الأموات طوال الوقت، وتصور البعض لهم بأنهم أشبه بـ"عزرائيل"، مضيفا أن هناك بعض المهن التي تواجه تلك المشكلة مثل الحانوتية وعمال المشرحة وغيرها من المهن.

يضيف "حمودة" لمعد التحقيق، أن مشكلة الوصم لا تطال الشخص العامل نفسه بل قد تمتد للأسرة نفسها، وهو ما يجعله يتخذ أساليب لإخفاء طبيعة مهنته حتى لا يكون هو وأفراد أسرته عرضة للتنمر، منوها بأن حالة الوصم والتنمر نتيجة موروثات ثقافية لدى البعض، قائلا: «البعض يعتقد في عمل تلك الفئة في مهنة التشريح انتهاكً لحرمة الموتى وهو أمر غير صحيح على الإطلاق».

يكمل، أتذكر شخصيًا حينما دخلت كلية الطب كان لدى حالة فزع في التعامل مع الجثة لأول مرة، ولكن مع مرور الوقت بدأت أتأقلم على ذلك، وانتهت مشاعر الرهبة بالنسبة لي، وهو ما يحدث مع العاملين في تلك المهنة حيث تختفي منهم مشاعر الرهبة والفزع والخوف مع الاعتياد والتأقلم مع طبيعة وظيفتهم.

الدكتور محمد محمود حمودة

«فودة»: العاملون بالطب الشرعي يخضعون لقانون ملكي صدر في عهد الملك فاروق.. ويجب زيادة بدل العدوى لحمايتهم من المخاطر
 
تواصل معد التحقيق مع الدكتور "أيمن فودة" الذي شغل منصب رئيس مصلحة الطب الشرعي وكبير الأطباء الشرعيين الأسبق خلال الفترة من (2005-2007)، والذي أوضح أن العاملين بمصلحة الطب الشرعي يخضعون للمرسوم بقانون رقم 96 لسنة 1952 بشأن تنظيم الخبرة أمام جهات القضاء، وهو قانون ملكي أصدره الملك فاروق ولا يزال حاكمًا لعمل الأطباء الشرعيين حتى الآن وغير مواكب لتطورات العصر رغم وجود محاولات سابقة لتعديله أو تغييره.
 
وأكد لـ«بوابة الأهرام» أن مهنة التشريح تحمل مخاطر عالية، ويمكن أن تنتقل العدوى من الشخص المتوفَّى إلى الطبيب الشرعي أو فني التشريح في حالة إصابة نفسه بالخطأ أثناء التشريح، وبعض العاملين بالمصلحة تعرضوا، أثناء فترة وجودي، للإصابة بالتهاب الكبد الوبائي، وبعضهم تعرض لأضرار نتيجة استنشاق الأبخرة الخاصة بالمواد الكيماوية، وقاموا برفع دعاوى قضائية.
 
وطالب بزيادة بدل العدوى للعاملين في الطب الشرعي ليتناسب مع حجم المخاطر التي يتعرضون لها أثناء العمل، كما يجب توفير الحماية للأطباء الشرعيين أثناء تنقلهم لأماكن عملهم.
 
وأضاف، أن المهنة تواجه عزوف للعمل بها، موضحا أن عدد الأطباء الشرعيين لا يزيد عن 85 طبيبا شرعيا على مستوى الجمهورية، مشددا على ضرورة أن يكون هناك طبيبا لكل 300 ألف شخص.

الدكتور أيمن فودة مع محرر بوابة الأهرام
 
«أماني عبدالحكيم» : ضعف الرواتب المادية السبب في هجرة الأطباء الشرعيين
 
وما يدلل على ذلك، أن من بين النماذج التي سافرت للعمل بالخارج، الدكتورة "أماني عبد الحكيم" التي كانت تشغل منصب نائب كبير الأطباء الشرعيين ورئيس الإدارة المركزية لشئون المعامل الطبية الشرعية في الفترة (2015-2017) قبل أن تسافر لتشغل منصب أستاذ مساعد في كلية العلوم والأدلة الجنائية بجامعة نايف الأمنية بالسعودية في الفترة من (2017- 2019)، لتعود مرة أخرى إلى مصر للتدريس في عدد من الجامعات المصرية.
 
تقول "أماني" لمعد التحقيق، "الأسباب الرئيسية وراء هجرة الأطباء الشرعيين من مصر إلى الخارج في المقام الأول تتعلق بالنواحي مادية، حيث يتقاضى الطبيب الشرعي في الخارج ما يعادل 10 أمثال ما يحصل عليه فيمصر، بخلاف زيادة الأعباء عليهم في أعداد الورديات والتنقلات من بلد لأخرى للتغلب على مشكلة نقص العدد، وأيضا توافر أجهزة حديثة بالخارج".
 
تضيف نائب كبير الأطباء الشرعيين لشئون المعامل لمٌعد التحقيق،«الطب الشرعي ينقسم لـ4 أقسام، الطب الشرعي الميداني، وهم من خريجي طب وجراحة، والمعامل الطبية الشرعية، وهم أيضا من خريجي طب وجراحة، والمعامل الكيماوية التي تقوم بتحليل السموم والمخدرات، وهم من خريجي علوم أو صيدلة، بالإضافة إلى أبحاث التزييف والتزوير، وهم مختصين بفحص الأوراق والعملات والقضايا الإلكترونية»
 
تكمل أماني: شهد قطاع الطب الشرعي في مصر مرحلة تطوير واضحة في السنوات الأخيرة، بعد حصول أقسام بها على الاعتماد الدولي، كالإدارة المركزية للمعامل الطبية الشرعية التي حصل قسم أبحاث الحمض النووي وعلم الأنسجة على الاعتماد الدولي فيها، وكذلك قطاع الطب الشرعي الميداني «دار التشريح ووحدة العنف ضد المرأة»، وبموجب ذلك الاعتماد يتم العمل وفق لقياسات دولية ترتكز على عملية تطوير وتدريب مستمرة للعاملين بتلك الأقسام، وإعداد ملف لكل جهاز يتضمن اسم الشركة وبلد المنشأ وخطوات التشغيل وعملية متابعة مستمرة لكافة العاملين بالقطاع.

الدكتورة أماني عبدالحكيم
 
حُبٌّ في المشرحة
 
نظرة المجتمع ومعاناة العاملين بمهنة التشريح بإعتبارهم «جزارين بلا قلب»، لم تقف حائل أمام قصة الحب التي نشأت بجوار ثلاجات الموتى بين «الشيخ سعيد» أقدم مٌغسلي مشرحة زينهم، و«سعدية السيد» التي كانت تعمل برفقته في نفس المهنة. 
 
قبل 47 عامًا لم يشأ القدر أن يستكمل الطالب "سعيد عبد الله أحمد"، دراسته بسبب الظروف المعيشية لأسرته، وهي الظروف التي أجبرته على الخروج مبكرًا من المدرسة الإعدادية، ليعمل نقاشًا كي يساعد والده "المكوجي"، في تدبير نفقات المنزل.
 
استمر «سعيد» في مهنة النقاشة 23 عامًا قبل أن يلتحق بالعمل بمشرحة زينهم كـ«مُغسل» ليظل داخل جدران ذلك المكان الملاصق للمشرحة أكثر من 24 عامًا.
 
قبل 15 عامًا تعرّف الشيخ "سعيد" (62 عامًا) على جارته "سعدية السيد"، التي تقطن في المنطقة نفسها التي يقيم فيها بإمبابة (أحد أحياء محافظة الجيزة بمصر) والتي طلبت منه أن يساعدها على العمل برفقته داخل مشرحة زينهم للحصول على ثواب "غُسل الميت"، فوافق الشيخ "سعيد" على الفور، لتنضم لمساعديه في غرفة الغُسل التي قام بتأجيرها من المسئولين للعمل فيها.
الشيخ سعيد وزوجته سعدية
 
في تلك الأثناء نشأت قصة حب بين "سعيد" و"سعدية" كانت ثلاجات الموتى وجدران مشرحة زينهم شاهدة عليها، ليقرر "سعيد" حينها الزواج من "سعدية".
 
في شقة متواضعة تتكون من غرفتين بالطابق الأرضي بمنطقة إمبابة، يقطن الشيخ "سعيد"، كبير مغسّلي مشرحة زينهم أو "صديق الجثث" كما يحلو لأصدقائه أن يلقبوه، برفقه زوجته "سعدية السيد"، والتي كانت تعمل برفقته في الوظيفة نفسها قبل أن تتركها، إلى جانب أبنائه (ولدين وبنتين) و13 حفيدًا يقطنون بالقرب منه، و3 زوجات أخريات يعملن أيضًا في مهنة "غُسل الموتى".
 
قضى الرجل الستيني نصف عمره داخل جدران مشرحة زينهم يقوم بتغسيل الموتى، ويقضي أغلب أوقات يومه إلى جوارهم بعيدًا عن صخب الحياة، حتى بات علمًا على المشرحة، ولا يجد الشيخ "سعيد" أي غضاضة في الحديث بفخر عن عمله أمام أبنائه وأحفاده وأصدقائه، معتبرًا أن ما يقوم به "ثواب لله".
 
اعتاد الرجل، ذو اللحية البيضاء والذي يرتدي طاقية فوق رأسه، الذهاب إلى عمله مبكرًا لاستقبال حالات الموتى لإجراء عملية الغُسل برفقة عدد من مساعديه في العمل من خلال تجهيز طاولة الغُسل والأدوات اللازمة، بعد الانتهاء من تشريحها لتسليمها لأسرتها.
الشيخ سعيد وزوجته سعدية
 
يقضي كبير مغسّلي المشرحة أغلب أوقاته داخل غرفة الغُسل الملاصقة للمشرحة، حتى يفرغ من عمله ويعود إلى منزله في ساعات متأخرة من النهار، ليتسنى له قضاء بعض الوقت مع زوجته وأحفاده قبل أن يعود مجددًا لقضاء مهمته في الصباح الباكر.
 
لم يُخْفِ الشيخ "سعيد" قلقه من التعامل مع بعض الجثث التي قد تكون حاملة أمراضًا خطيرة، إذ يقول: "إحنا مش ضامنين الميت اللي جاي عنده إيه، ممكن يكون عنده الإيدز أو السل أو الكبد أو الصفراء، بس إحنا بنشتغل الحالات وربنا ساترها معانا، وأحيانًا الدكتور اللي معانا يقول لنا خلوا بالكم من الحالة دي".
 
يُكمل الرجل الستيني: "ممكن وانت بتخيط جثة بالإبرة تتعرض للإصابة بيها، ويبقى في احتمال كبير للعدوى، وأنا اشتغلت حالة قبل كده كان عندها مرض خبيث، وكان الميت جاي في حالة تعفن، وكنت بقول يارب استرها، وربنا كان ساترها معايا، وطول ما انت بتستر ميت عمرك ما هتتأذي".
 
ويضيف الشيخ "سعيد": "حالة القلق لديّ من الوفيات المُصابة بأمراض خطيرة جعلتني أرفض في إحدى المرات إجراء الغُسل للميت بعد علمي بإصابته بمرض مُعدٍ، وقمنا بتسليمه لأسرته دون إجراء الغسل، وبعد توقيع الطبيب الشرعي الكشف الظاهري عليه فقط".
 
ويضيف: "لما الميت بيجي في حالة تعفن الأهالي بترفض استلامه، فما بالك العاملين داخل المشرحة، وربنا بيكرمنا علشان نطلع الميت ريحته حلوة، ومش بخاف من المرض إطلاقًا، واللي كاتبه ربنا هشوفه".
 
15 عامًا قضتها "سعدية السيد" زوجة الشيخ "سعيد"، ترافقه في إجراء عمليات الغُسل للميتات السيدات بالمشرحة، إلا أن تعرضها للإصابة في عينيها خلال مشاجرة بين الأهالي في المنطقة التي تقطن بها، أجبرها على ترك مهنتها والتوقف عن الذهاب للمشرحة.
 
مثل زوجها ترى "سعدية" أن عملها "ثواب لله" ولا يوجد ما تنزعج منه، بل إنها فخورة بما تقوم به، قائلة: "بحب المشرحة ومش مكسوفة من مهنتي وولادي بيفتخروا وبيتشرفوا، ولو عاد بي الزمن هشتغل نفس الشغلانة".
الشيخ سعيد
 
 
كانت لحظة إجراء الغُسل الأولى لفتاة تعرضت للحرق أثناء فرحها أصعب لحظة عاشتها "سعدية" حسب قولها، مضيفة: "جات لي عروسة وكانت محروقة والحنة في إيديها، وكان من أكثر المشاهد القاسية اللي شوفتها وأتاثرت جدًّا بيها".
 
ترفض "سعدية" نظرة البعض لهم على أنهم بلا مشاعر قائلة: "إحنا زي الناس، كنت بعيط لما بغسل أطفال وبيصعبوا عليّ جدًّا، ودموعي بتنزل لوحدها، وكان من ضمن اللحظات الصعبة علي لما عربية إسعاف جابت أم وطفلتيها ملتصقين في بعض بسبب حريق".
 
لا تعبأ زوجة الرجل الستيني للأقاويل التي يرددها البعض بشأن العفاريت وأحاديث الموتى، وتقول "مافيش عفاريت والكلام ده إشاعات".

رسوم تعبيرية
 
(هويات الحالات بأسماء مستعارة بناءً على طلبهم)
 
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: