راديو الاهرام

الأسواق البديلة.. قصة الندرة

1-8-2022 | 12:10

يبدو أننا أصبحنا في زمن الأسواق البديلة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية مباشرة، والتي فرضت على العالم تحديات أكبر من مساحتها العسكرية، وربما أعمق من أغراضها الفكرية، والتي بلورها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، بأنها تحد للقطب الواحد، وفتح المجال لعالم متعدد الأقطاب.

 
لكن الأثر القريب والملموس بعيدًا عن الجدل السياسي والفكري، هو ارتفاع الأسعار، بما في ذلك الضغط على دول عدة لم تكن مستعدة وأكثر من ذلك لم تكن راغبة، ثم وبشكل أخشى أن أقول إنه غير مدروس تأثر به من قام بدعم الحرب وإشعال فتيلها، وسارع إلى سلاح العقوبات.
 
لقد فرضت أطروحات الأسواق البديلة نفسها من البداية، بعد أن عطلت الحرب وما تزال إمدادات الغذاء، وتمكنت الكثير من الدول من العثور على أسواق لتلبية حاجتها من الحبوب، بينما طورت دول أخرى أداءها بسرعة في الزراعة لتشارف الاكتفاء الذاتي من الحبوب، ولمصر في هذه النقطة تحديدًا، تجربة ناجحة في رفع كفاءة زراعة القمح، وتطوير آليات حصاده واستلامه من المزارعين، أما النقطة الأصعب فهي متعلقة بواردات الطاقة، في ظل الحرب الاقتصادية الخانقة التي يشنها الغرب ضد روسيا لحرمانها من عائدات النفط والغاز وأخيرًا الذهب.
 
إن المشهد الآخذ في التطور هو إجراءات الغرب الذي أراد عقاب روسيا وحرمانها من التمويل اللازم للحرب في أوكرانيا، بموجات من العقوبات في كافة المجالات.. ولكن في مجال النفط والغاز كانت العقوبات سلاحًا ذا حدين، لأنهما من بين عناصر الندرة التي لا يمكن تنميتها بسهولة، إنما استغلالها فحسب، أما الطاقة البديلة فهي شديدة الكلفة سياسيًا وماليًا. 
 
لقد تحدى الغرب منطق السوق، ولم يستمع إلى أصوات، منها دولة المجر مثلًا، رفضت التخلي عن الغاز الروسي، ورأته قرارًا طائشًا وضارًا بالغرب نفسه.
 
ومن الطبيعي أن يبحث الغرب في الأسواق البديلة لسد النقص في الواردات، الناجم عن عقاب روسيا على حربها في أوكرانيا.. وربما يقوده الأمر أو قاده بالفعل إلى الإسراع نحو كل بلد يمكن أن يشكل سوقًا بديلًا للغاز الروسي.. 
 
إن النفط والغاز هما بامتياز قصة الندرة في الخامات الطبيعية في العالم المعاصر، وذلك على الرغم من تطمينات الوكالة الدولية للطاقة في الأعوام الأخيرة، عندما خففت من التوقعات المعهودة بشأن نضوب إمدادات النفط، لكنها لم تتمكن من نكران أن عصر النفط الرخيص انتهى.
 
ومنذ بدأ الضغط على الإمدادات الروسية وإعلان التحدي الغربي بالتخلي عن الغاز الروسي، ردت موسكو بخطوة دفع ثمن الغاز بالعملة الروسية (الروبل).. ووجدنا دولًا تذعن مثل المجر، ودول أخرى عليها الانضمام إلى الباحثين عن الأسواق البديلة، وكان آخرها لاتفيا. 
 
والملاحظ أن هذه الدول لا تفكر فحسب في الحصول على إمداداتها من الأسواق البديلة، إنما تظهر ألوانًا من التقارب السياسي مع الدول المنتجة إلى حد التهافت.
 
ويبدو أنه حتى في حالة نجاح إستراتيجية الأسواق البديلة فإن الكلفة المالية عالية، فيما ينقص مصافٍ أوروبية عدة القدرة على استبدال النفط الروسي في وقت مناسب، وإذا ما طورت المصافي والموانئ نفسها رغم التكاليف الباهظة، فإن العودة إلى السوق الروسية لن تستبعد طويلًا، بعد انتهاء الحرب، وخروج أوروبا منهكة سياسيًا واقتصاديًا، خصوصًا أن روسيا توفر سدس إمدادات النفط والغاز في العالم، كونها ثالث أكبر منتج للنفط وثاني أكبر منتج للغاز. 
 
ولكن يبدو أن الغرب يخطط للاستغناء عن النفط والغاز الروسي بشكل كامل ودائم، وتشير الأنباء إلى أن شحنات روسية منقولة بحرًا تكافح للعثور على مشترين، وبالطبع فإن المسألة ليست بهذه السهولة، في سلعة إستراتيجية تتناقص باستمرار، وفي ظل إمكانية وجود أسواق أخرى في آسيا مثل الصين والهند.
 
وبعد ركود لأكثر من عامين بسبب جائحة كورونا يتزايد الطلب على النفط والغاز في السوق العالمي؛ لأن نظرية الأسواق البديلة المفعلة حاليًا، تقابلها الزيادة في الطلب لدى أسواق جديدة ناشئة بحاجة إلى النفط والغاز، خصوصًا بعد تخطي أزمة كورونا، ورغبة الأسواق الناشئة في العودة إلى العمل بقوة لتعويض خسائرها.
 
النفط والغاز سلعة مرشحة للنضوب التدريجي، ورغم ذلك ظلت السلعة الأرخص تكلفة طوال القرن العشرين كله، باستثناء الزيادة التي صاحبت حرب أكتوبر 1973، وهي الزيادة التي استوعبتها الدول المستهلكة. 
 
ولكن حاليًا فإن الأمر كما وصفته صحيفة "ديلي إكسبريس" البريطانية أشبه بالانتحار، وسيكون على ملايين الأوروبيين مواجهة شتاء قاس، بينما نفط وغاز الأسواق البديلة قد يغذي أوروبا، ولكن بتكلفة مضاعفة على موازنات تلك الدول، ويزيد من الضغوط أن تكاليف الغاز مثلا أقل بنسبة 68% من الكهرباء.
 
الأسواق البديلة هي الأسواق التي يمكن أن تحل مكان البائع الروسي للنفط والغاز، وطال البحث المحموم في الفترة الأخيرة كل الأسواق المحتملة، من أعضاء أوبك وخارجها، من السعودية إلى الإمارات وقطر وغيرها.. فيما وقع الاتحاد الأوروبي مع مصر وإسرائيل اتفاقية نقل غاز شرق المتوسط.. ويبدو أن مصائب السوق الروسي ستشكل في المدى القريب فوائد للأسواق البديلة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة