Close ad

العلاقات الإنسانية والطاقات السلبية

30-7-2022 | 13:37

نكاد نجزم بأننا البلد الوحيد بالعالم الذي تكتب فيه بعض سيارات النقل والأجرة عبارات مثل؛ "محدش مرتاح"، "مفيش صاحب يتصاحب"، "الدنيا غدارة"، "بعتني ليه يا صاحبي، "عيشها كالذئاب.. لا أصحاب ولا أحباب".. فضلا عن الموروث الغريب الذي يجعل البعض عندما يضحك أو يفرح؛ يسارع بقطع فرحته بخوف؛ ويقول: اللهم اجعله خير، وكأن الفرح لابد أن يعقبه حزن.

نتذكر كاريكاتير للفنان الراحل حجازي؛ رسم فيه على صفحتين  أناسًا كثيرين من مختلف الأعمار وكلهم متجهمون وغاضبون وساخطون ووسطهم رجلان يشيران بسخط وغضب بالغين لرجل "يبتسم" ويقول أحدهما للأخر: "شايف اللي قالب وشه ده على  الصبح"!!

لا ننكر التراجع "المخيف" بالعلاقات الإنسانية وأحيانا بين أفراد الأسرة الواحدة وتناقص بالدفء والصدق بالصداقات، ولا يمكن علاجه بنشر المزيد من الطاقات السلبية؛ وكأننا نجهز بأيدينا على ما تبقى من العلاقات الناجحة، والحل يتلخص "بالمسارعة" بإزالة الغبار عن حياتنا الأسرية وعن صداقاتنا وليس ردمها بالمزيد من الغبار.

يتنافس الكثيرون بالحياة الواقعية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي وكثير من الفضائيات على التحدث ونشر كل ما يدعم "انهيار" العلاقات بالمجتمع والتركيز على الجرائم القاسية وعقوق الأبناء للآباء والأمهات وغدر بعض الأزواج والزوجات؛ وكأن البعض "يتلذذ" بذكر ذلك، والتأكيد أنه أصبح "ظاهرة" عامة وكأنه يطمئن نفسه بأن التراجع في علاقاته أمر طبيعي بدلا من أن يحسنها ما استطاع، أو ليزهو بنفسه بأنه أفضل  حالا من الآخرين؛ وفقا للمثل الشعبي "من شاف مصائب الناس هانت عليه مصبيته"، والأذكى أن يسعى كل منا للخلاص من مصيبته -ما استطاع- ومواجهتها وليس الفرح بأنها أقل من مصائب الآخرين..
يستثنى من ذلك بالطبع مصائب الموت والمرض الذي لا علاج له والمصائب التي يصعب التخلص منها، وحتى هذه يجب علينا "تغيير" تفكيرنا بها والتوقف عن رؤيتها مصيبة "تقتلنا"، وتذكر أن الرحمن سيعوضنا خيرا متى صبرنا وتشاغلنا عن الوجع قدر استطاعتنا بفعل ما يفيدنا ويفيد من نحب وفي ذلك فوائد نفسية رائعة ندعو للجميع بها..
من المؤسف أننا "نترك" أنفسنا فريسة للجزع من الجرائم الأسرية؛ لأننا لا ننتبه لكون نسبتها بأنواعها والتحرش والخيانات لا تشكل رقما قياسيا مقارنة بعدد السكان وأنها موجودة بالعالم كله، ووسط صراخ وعويل البعض على الجرائم الأسرية يتناسون أول جريمة بالتاريخ عندما قتل قابيل أخيه هابيل، والمؤلم أن هناك من سمى ابنه باسم القاتل قابيل وما زال الاسم باقيا..

"وستستمر" المشاحنات الأسرية بأنواعها؛ ما دامت الحياة فسيكون دوما الشر مع الخير، وبالوقت نفسه ندعو ونطالب لتقليصها لأقل ما يمكن ودق نواقيس الخطر لمقاومتها، ولعودة اهتمام الأسر بحسن تربية الأبناء والبنات والمراقبة غير المباشرة لهم والتوقف عن ترك الحبل على الغارب لهم بدعوى منحهم حرية الخطأ!! كما يقول البعض، وهم نفس الذين يحذرون بشدة من تناول الأبناء للمأكولات التي تحتوي على المواد الحافظة أو الأغذية السريعة الممتلئة بالدهون الضارة، وماذا عن السلوكيات الضارة التي "يسمح" بعض الأهل للأبناء وللبنات بفعلها بدعوى الحرية وبمنطق "بكره يكبروا ويعقلوا" وتجاهل – عن عمد – حقيقة أن من شب على شيء شاب عليه.. 

لن يخلو العالم من الفظائع فنحن بالدنيا ولسنا بالجنة؛ ومن يفتش عن الشيء يجده، وكثر من يفتشون من الجنسين ومن كل الأعمار على الوجع والخذلان من العلاقات الأسرية ومن الصداقات ومن زملاء العمل، بل إن البعض منهم يفاخر بأنه أصبح يتعمد وضع حواجز عديدة بينه وبين الجميع ليمنع شعوره بالخذلان، وكأنه يغلق كل نوافذ بيته ليتجنب تسرب بعض الأتربة والأفضل له نفسيًا أن يفتحها "بحذر" وأن يتنبه لبدايات الأتربة ويسارع بإزالتها أولا بأول ولا يتجاهلها ولا يبررها فتتراكم ويصعب إزالتها أو -لا قدر الله- تصيبه بحساسية مزمنة.

من نتائج امتصاص الطاقات السلبية المسارعة بتبرير أخطائنا مع الآخرين بأن الحياة أصبحت صعبة ولا تطاق وأن الناس سيئة والتعميم دوما خاطئ وأحيانا نكون نحن المخطئون لأننا نتوقع السوء فنتعامل بعدوانية "يقرأها" الطرف الآخر على أنها رفض له أو تعمد للتقليل منه فيرد بالأسوأ وندخل بدائرة منهكة من "تأزيم" العلاقات..
لا ندعو لمقابلة الجميع بالأحضان بالطبع؛ حتى لا ندمي أنفسنا "بأشواك" البعض وندعو لنرحم أنفسنا والتوقف عن امتصاص الطاقات السلبية والتي يجيدها البعض، وآخرون يرونها مصدرًا "رئيسيًا" لتواجدهم بغزارة على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الفضائيات بنشر المآسي الأسرية التي تجذب الكثيرين بما تحويه من "مبالغات" بنشر التفاصيل المؤلمة، والتي تترك آثارا سيئة في قلب وعقل من يقرأها ومع تزايد تعرضه لمثلها وتراكمها تصيبه بالكآبة وفقدان الثقة بالآخرين "وبتراجع" رغبته في إقامة علاقات ناجحة تمنحه براحا يستحقه وتخفف من شدة وطأة ضغوط الحياة التي تحاصر الجميع..

تسلتزم مقاومة الطاقات السلبية الوعي بخطورتها وتقليل التعرض لمصادرها، وبالطبع التوقف عن ترديدها حتى لا ترسخ بعقل وقلب من يقولها ولو بعد حين.

يورث التعرض للطاقات السلبية بغزارة التشاؤم والعصبية والتوتر وما يتبعهم من تأثيرات ضارة بالصحة النفسية والصحة الجسدية والعلاقات أيضا، فتجنب من يصدرها، ولا تحاول تغيير من أدمنوا تصدير الطاقات السلبية فسيجذبوك للأسفل أو يتهموك "بأنك قالب وشك على الصبح".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة