Close ad

العقاد.. الذي لم نعرفه بعد !

30-7-2022 | 12:15

 كل الذين كتبوا عن العقاد تحدثوا عن شخصية العقاد، ثم عن قلم العقاد.. وربما شخصيته أكثر .. وكلنا سمعنا عن (صالون العقاد)، أو الندوة التى اعتادت أن تجمع كبار الأدباء فى بيت العقاد.. وكل هؤلاء الأدباء لمس هذه الشخصية الرائعة عن قرب، وكلهم أحبها، وكلهم أجمعوا على احترامها بشدة.

وإذا قرأت فى الكتب التى ترسم لك حياة العقاد، تكتشف أن هذه الشخصية الفريدة كانت موجودة فى العقاد التلميذ.. وأن طفولته تمتلئ بمواقف رجولية عجيبة.. منها أنه كان يصر على ارتداء بنطالا طويلا بدلا من الشورت الذى يرتديه كل تلامذة الإبتدائى، لأنه كان يرى أن كشف ساقيه يخدش وقاره ومهابته.. وهو لا يحب إلا أن يكون محترم الهيئة، كما هو محترم اللسان واليد.
 
وعندما دخل الفصل وجد مدرسا يصر على أن يطلق على كل تلميذ لقبا مميزا ً.. فيقول: ( شكرى أو صبري أو عبده ..إلخ) والتلاميذ اعتادت هذا الأمر على أنه عُرف قائم، إلا (العقاد) الذى رفض لقب (حلمى) الذى اختاره له المدرس.. وأصر على أن يناديه باسمه أو لقبه فقط! 
 
وكل هذا غريب، وغير مألوف بين هؤلاء الصغار .. فالأطفال نوعان.. نوع ينقاد لكل كلمة يقولها أى شخص كبير .. ونوع آخر يسمع كل كلام الكبار، ثم يبحث عن الطريقة المناسبة ليتمرد عليها! ونقول عن الطفل الأول: إنه هادئ وطائع.. وعن الثاني أنه شقى عفريت..
 
لكن العقاد كان نوعا مختلفا.. وقد تصفه فتقول: إنه كان طفلا "رزينا".. يعنى طفلا يستطيع أن يزن الأمور ، ويختار الوقت المناسب ليقول كلمة: لا .. ويعرف متى يصر عليها، وكيف!.. فتشعر أن الذى يكلمك هو رجل صغير، وأن جسده القليل ينطوي على عقل أوسع من هذا الجسد، حتى أنه اعتاد فى هذه السن الصغيرة أن يتحدى الإحباط ويقاومه.. 

فقد جاء مدرس رياضيات وأعطى تلامذته مسألة صعبة معقدة وتحداهم  إن استطاعوا حلها.. وحاول التلاميذ وفشلوا، ثم جاءوا بالمسألة للعقاد، وحاول كما حاولوا، وفشل مثلما فشلوا.. لكنه أخذ المسألة وسهر عليها ليلته حتى اهتدى إلى حلها.. وفى الصباح عرضها على المدرس والتلاميذ مزهوا منتشيا، ليفاجأ بتيار من الاستهانة والاستهتار بالمجهود الذى بذله فيها.. كأنهم لم يحبوا أن يعترفوا بتفوقه عليهم، ونجاحه فيما فشلوا فيه... ولم يضايقه هذا، فهكذا كان الدرس الذى تعلمه.. أن كل ذى نعمة محسود، وأن النجاح والتفوق نعمة كبيرة !..
 
كان العقاد أحد الزبائن الدائمين على المكتبات.. وهى مكتبات مختلفة عنا الآن، فالإنجليز حرصوا على تكديسها بكتبهم ولغتهم، وعلى فرض اللسان الإنجليزى على كل طالب علم، حتي أن تلميذ الابتدائى يبدأ فى تعلم هذه اللغة مع أول يوم يجتاز فيه عتبة المدرسة.. ورغم هذا كان العقاد يدخل المكتبة ويمسك أى كتاب ويقرؤه.. ولا يهم إذا كان عنوانه عربياً أو إنجليزياً.. ولهذا اختارته المدرسة - وكان فى العاشرة - هو وبعض زملائه ثم أرسلتهم إلى بعض المصالح الحكومية لترجمة بعض الأوراق الرسمية المكتوبة بالإنجليزية، وأخذ عن هذه المهمة الرسمية مكافأة قدرها نصف ريال!.
 
ولأن الوظيفة أيام العقاد كانت متاحة لمن أتم الشهادة الابتدائية .. اكتفى له أبوه بهذه الشهادة، وطلب منه أن يبحث عن وظيفة، وهو لا يزال فى الرابعة عشرة.. وبحث ولم يجد.. لهذا تبرع بالتدريس فى مدرسة إسلامية خيرية.. حتى وجد له أبوه وظيفة مرتبها 4 جنيهات بعد سنتين من عمله فى المدرسة الخيرية.. ولأن عمله كان قريبا من القاهرة - فى الزقازيق - لهذا كان يملأ جيوبه ويذهب للقاهرة كل أسبوعين، ويعود منها محملا بالكتب ليقرأها.

وظل يتنقل بين عدد من الوظائف، حتى وصل للعمل بالصحافة.. والذى يختار العمل بالصحافة - فى هذا الوقت - هو إنسان مغامر، أو ثري لا يهمه المال.. فقد عمل العقاد فى جريدة (اللواء) ثم تركها.. ثم فى جريدة (الدستور) التى أغلقت، فبقى العقاد بلا عمل.. واضطر أن يبيـع كتبا كثيرة ليأكل بثمنها.. وأن يعطى دروسا خصوصية نظيــر ملابــس للشتاء.. وعندما فشل فى دفع إيجار مسكنه، عاد لبلدته حزينا مريضا متعبا، وظل سنتين بلا عمل.. لكنه قرأ كثيرا، ثم كتب كتبا ً وأرسلها للنشر ..
فرغم يأسه وإحباطه، فهو لم يدع الوقت ينزف ويسيل من بين يديه، ولم يقف مستسلما فى انتظار صفحة جديدة من صفحات الأيام.
 
وفيما بعد ساعده محمد المويلحى ليعود للعمل.. هذه المــرة فى وزارة الأوقاف.. وهناك اكتشف أن الخديو يستولى على أموال الصدقات، ففضحه على صفحات الجرائد.. وكانت النتيجة أنهم سلطوا عليه من يقنعه بترك العمل فى الأوقاف ليعود للصحافة والأدب، ونجحوا فى هذا.
 
شىء غريب جداً!.. عشر وظائف يتنقل بينها هذا الفتى ذو الخمسة والعشرين ربيعا فى عــشر سنين فقط.. وإذا وقف ضميره ضد عمله، لا يتردد فى أن يلقي بالوظيفة فى أقرب قمامة.. غير عابئ بلوم اللائم، أو فاقة اليد..

وها هو يعود ويترك الصحافة من جديد لأنه يرفض رشوة عرضت عليه.. ويحزم حقائبه عائدا لبلدته، يقرأ، ثم يكتب مقالات وكتبا وقصائد.. أحد هذه الكتب من (500) صفحة، واسمه "ساعات بين الكتب".

بعدها يعمل ناظراً لأحد المدارس.. ثم يستقيل ليعود للصحافة، وتطرده الصحافة ليعود مدرساً للتاريخ.. ويستقيل من المدرسة هو والمازني، لأن المرتب انقطع.. فيعيشا معا في حي متواضع لترشيد النفقات..
 
وظل على هذا الوضع لا يستقر له حال.. وهو صلب قوي لايحمله شيء على بيع قطعة من ضميره.. حتى عندما أدخلوه السجن ظلما بحجة "العيب فى الذات الملكية"..
رغم أن كل ما فعله هو الاحتجاج على تعديل الدستور، خرج من السجن
يقول: 
وكـنت جنين السجـن تسـعة أشهـر              فها أنا فى ساحة الخلد أولد
عداتى وصحبي لا اختلاف عليهما              سيعهدنى كلٌ كما كان يعهد

يعنى هو سيظل كما هو مع أعدائه وأصحابه، لا يتغير، ولا يبدل مواقفه.. فالعقاد كان نموذجا عجيبا للثبات، والقوة، والأهم نشاطه الشديد فى العمل..
 
فالعبقريات التى نعرفها جميعا، كتبها كلها بعد الخمسين.. وكان عمره (66) عاما، وأجرى عملية فى إحدى عينيه، ونشر فى هذا العام 3 كتب.. وبعد السبعين من عمره، كتب ونشر (10) كتب، وكتب مقالات كثيرة فى الصحف والمجلات.
 
ومعروف عن العقاد - مثله مثل كل أبناء جيله -  أنه كان منظماً، وأنه كان شديد الحرص على الالتزام بأوقات الصلاة.

الحقيقة أن هذه القصة لا تحدثنا عن شخص شهير يقرأ، لنتعلم منه كيف نقرأ.. بل عن شخص صلب يتحول أمامه مجهود التعب والمعاناة إلى ذبابة تافهة.. فنحن ننظر إلى الكتب بعدسة مكبرة.. ونراها جبلا، وهى ليست إلا ذرة رمل. 
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة