Close ad

صاغ بنودها عدد من الهيئات الدولية.. خـريطة طريق للخروج من الأزمة الغذائية العالمية

27-7-2022 | 03:51
صاغ بنودها عدد من الهيئات الدولية خـريطة طريق للخروج من الأزمة الغذائية العالميةالغذاء - أرشيفية
إيمان عمر الفاروق
الأهرام العربي نقلاً عن

ترتيب أولويات النشاط الزراعى والعمل على خطط أكثر كفاءة لتقديم المساعدات الإنسانية

موضوعات مقترحة

193 مليون شخص يعانون بسبب انعدام الأمن الغذائى فى 2021 بزيادة قدرها 40 مليوناً مقارنة بعام 2020

برنامج الأغذية العالمى: معدلات الجوع الحاد ترتفع بشكل غير مسبوق والأوضاع العالمية تزداد سوءا

بحلول عام 2050 من المتوقع أن يبلغ عدد سكان العالم 10 مليارات وبالتالى سوف يتضاعف الطلب على الغذاء

ضربات متتالية تلقاها «النظام الغذائى العالمى» متمثلة فى جائحة كورونا، التغيرات المناخية وأخيرا الحرب الأوكرانية، تحالفت معا فأصابت العناصر اللوجستية فى مقتل، وباتت ملايين الأطنان من المواد الغذائية رهينة بالموانئ ليشهد العالم أزمة غذائية عالمية غير مسبوقة الملامح والتداعيات التى قد تصل إلى حد المجاعة، «تسونامى لاجئين»، بل وما أطلق عليه «شغب الغذاء».

 نذر تلك الكارثة كانت تلوح فى الأفق منذ سنوات وكان قدومها آتيا لا محالة ولكن العوامل سالفة الذكر أدت إلى تعطيل عجلة الطحن العالمى باكرا، فما هو السبيل لإعادتها إلى الدوران والسيطرة على الوضع قبل أن يزداد سوءا؟

 

على مدار السنوات الماضية تراجعت معدلات الأمن الغذائى العالمى، فطبقا للتقرير العالمى عن الأزمات الغذائية لعام 2022 ، ارتفع عدد من يعانون من انعدام حاد فى أمنهم الغذائى فى عام 2021 إلى 193 مليون فرد، فيما يمثل زيادة قدرها 40 مليون فرد مقارنة بعام 2020، وهو رقم مثير للذعر والقلق. ويصدر هذا التقرير عن الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية وهو تحالف دولى بين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى، ووكالات حكومية وغير حكومية تعمل معا على معالجة الأزمات الغذائية.

بالطبع أكثر الفئات معاناة هم المهمشون والنساء والأطفال، فالمفارقة أنه رغم الدور المحورى الذى تلعبه النساء والفتيات فى عملية إنتاج وإعداد الطعام، فإنهن يتصدرن قائمة الأكثر عرضة لمخاطر العنف والاضطهاد فى أوقات الأزمات الغذائية، بل والاستبعاد من دائرة الحوار حول سبل الخروج من الأزمة.

وحذر المدير التنفيذى لبرنامج الأغذية العالمى السيد ديفيد بيزلى، من أن معدلات الجوع الحاد، ترتفع بشكل غير مسبوق فيما الأوضاع العالمية تزداد سوءا، وقد عصفت الصراعات وأزمة المناخ وجائحة كورونا والارتفاع الحاد فى أسعار الأغذية والوقود بالأمن الغذائى، وأضيفت إليها الحرب الأوكرانية. وقد دفع ذلك ملايين البشر إلى حافة المجاعة، لذا نحن بحاجة إلى تمويل طارئ لإبعادهم عن شفير الهاوية وتجنب هذه الأزمة العالمية قبل فوات الأوان. وأن الحرب بأوكرانيا تهدد بتدمير جهود البرنامج لتوفير الغذاء لنحو 125 مليون شخص على مستوى العالم، لأن أوكرانيا انتقلت من «سلة خبز العالم إلى بلد يقف مواطنوه فى طوابير الحصول على الخبز».

خارطة طريق صاغت بنودها عدد من الهيئات الدولية ذات الثقة والثقل فى مجال الأمن الغذائى، تشمل كلا من منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمى، إلى جانب الاتحاد الأوروبى والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والبنك الدولى. فالعالم بحاجة إلى مزيد من ترتيب أولويات النشاط الزراعى، وتشجيع التغيرات الهيكلية فى طريقة توزيع التمويل الخارجى، بحيث يمكن توزيع استمارات إنمائية طويلة الأجل، قادرة على معالجة الأسباب الجذرية للجوع، وبالتوازى مع ذلك علينا أن نشجع بصورة جماعية سبلا أكثر كفاءة واستدامة لتقديم المساعدات الإنسانية.

دروس الماضى

الدكتور بيتر تيمر، الأستاذ بجامعة هارفارد الذى عكف على دراسة الأمن الغذائى لعقود، يرى أن هناك بارقة أمل وأنه علينا أن نتعلم من الدروس التى استفدناها من أزمة عام 2008، التى تتلخص فى «لا داعى للذعر»، فإذا لم تصب الدول بالذعر أو تبدأ بالاكتناز، فيمكنها منع الأزمة الحالية من أن تصبح تكرارا للأزمة التى حدثت عام 2008. وقد شارك الدكتور تيمر مع حكومات عدد من الدول الآسيوية فى صياغة وبلورة استجاباتها السياسية خلال أزمة عام 2008، وقال يعتبر الأرز الذى ينتج ويستهلك حوالى 90 % منه فى قارة آسيا من أهم المحاصيل. وتطرح أزمة 2008 دروسا حاسمة لأنها تقدم نموذجا حيا لتأثير الصدمات التجارية والقيود أو الإجراءات، التى تفرضها الحكومات على أسعار السلع الأساسية. وهناك بعض أوجه التشابه اليوم، حيث أسهم ارتفاع أسعار الطاقة وسوء الأحوال الجوية، وحظر التصدير فى الارتفاع الحالى فى أسعار المواد الغذائية، تماما كما حدث فى ذلك الوقت، على الرغم من أن الحرب بأوكرانيا تضيف بعدا جديدا مهما. فمع ارتفاع أسعار المواد الغذائية هذا العام، تحركت العديد من الدول لحماية إمداداتها الخاصة، فمثلاً فرضت إندونيسيا قيودا على صادرات زيت النخيل، وحظرت ماليزيا تدفقات الدجاج بينما فرضت الهند قيودا على مبيعات القمح والسكر.

كارثة الأرز

هناك مخاوف من أن يكون الأرز هو السلعة المرشحة فى خط الأزمات، نظرا لأنه مهم للغاية للأمن الغذائى والاستقرار السياسى فى آسيا. والخطير بالأمر أن فيتنام قد تلجأ إلى تقييد صادرات الأرز، حيث تخشى السلطات من تأثير ارتفاع تكاليف الأسمدة على المحاصيل، كما أن الجفاف يهدد المحاصيل فى دلتا نهر ميكونج، إذا حدث ذلك وأوقفت دول أخرى فى جنوب شرق آسيا صادراتها، فستكون الكارثة الحقيقة فى إفريقيا، التى أصبحت تعتمد بشكل متزايد على واردات الأرز.

لكن وفقا لتيمر، هناك بعض الاختلافات عن أزمة عام 2008، فالعديد من البلدان قد اتجهت نحو تنويع عاداتها الغذائية، ونجحت فى تكوين مخزونات احتياطية ضخمة فى محاولة منها لمنع صدمات الأسعار.

الدكتور هينينج أوت هانسين، أستاذ اقتصادات الغذاء بجامعة كوبنهاجن، يرى أنه لا داعى للقلق كما تخبرنا بذلك تجارب الأزمات السابقة، فعلى الرغم من أن الأزمة الراهنة، خلقت مشاكل حادة لكنها سوف تمر، لأن القطاع الزراعى مؤهل لزيادة الإنتاج، وتحقيق درجة من الاستقرار فى الأسواق. ففى اعتقاده أن ما نمر به الآن لا يمثل تحولا نموذجيا أو نمطا جديدا دائما، لكنها مجرد فقاعة طارئة، ويمكن البرهنة على ذلك إذا ما تم وضعها فى سياق مقارن بالتجارب التاريخية السابقة، مثل الأزمة الغذائية إبان الحرب الكورية خلال الخمسينيات من القرن الماضي، وفى عام 2007 ومرة أخرى عام 2010.  وبتتبع مسار الأزمات نلاحظ تكرار نمط شبه ثابت.

تبدأ أزمات الغذاء عادة بفقاعات أسعار تستمر لمدة عام إلى ثلاثة أعوام تقريبا، ومن النادر أن تمتد لفترة زمنية أطول من ذلك. وفى عام 2010 ظهرت أزمة غذاء نتجت عن الجفاف فى روسيا وأوكرانيا وكازاخستان، وترتب عليها ارتفاع الأسعار بنسبة 40 % إلى 50 % واستمر الوضع كذلك لمدة عام إلى أن تمكن المزارعون فى أماكن أخرى من رفع إنتاجياتهم.

ومن المعروف أن تراجع الأسعار مرهون بمدى قدرة القطاع الزراعى على زيادة الإنتاج من خلال زيادة رقعة زراعة الحبوب أو ما يعرف بالزراعة المكثفة وتلك الآلية هى الضامن الوحيد لكبح جماح ارتفاع الأسعار. وعلى المدى الطويل تميل الأسواق إلى التنظيم الذاتي. بالطبع هناك فترة تكيف ومواءمة، ولكنها تستغرق عادة عاما فقط. ولكن الوضع العام عالميا ومسار الحرب بأوكرانيا، يمكن أن يجعلا تلك الأزمة مرشحة للاستمرار فترة أطول قليلا من سابقتها.

بنك الحبوب

يقترح هانسين، أستاذ اقتصاديات الغذاء بجامعة كوبنهاجن، فكرة جديرة بالاهتمام تتمثل فى تكوين مخزن عالمى من الحبوب تحت مظلة هيئة “الأمم المتحدة”، حيث يمكن أن تكون بمثابة طوق نجاة فى مثل تلك الحالات، لأنه بطبيعة الحال كلما كان مخزون الحبوب محدودا تتجه الأسعار للارتفاع، ومن ثم يمكن للمخزون الأكبر قليلا أن يحقق نوعا من الاستقرار فى الأسواق، وعندما يصبح الحصاد ضعيفا يمكننا البيع من المخزون الذى سيكون بمثابة بنك عالمى للحبوب.

«سيناريوهات المجاعة»

كل أمر فى عالم اليوم أضحى من المتاح إخضاعه لسيناريوهات لعبة المحاكاة، فقد رأينا كيف كان للعب المحاكاة دور بارز فى التنبؤ بالأوبئة على نحو تفصيلى جرت وقائعه فى جائحة كورونا دون الخروج عن النص.

أيضا أزمة نقص الغذاء هى الأخرى كان لها نصيب بأن تكون عنوانا رائجا لإحدى تلك الألعاب عام 2016 للتنبؤ بسيناريوهات المجاعة عام 2050! بعنوان “سلاسل الغذاء وردود الأفعال”، تولى تنظيمها كل من مركز التقدم الأمريكى ومؤسسة سى إن أيه التى كانت تعرف سابقا باسم “مركز التحليلات البحرية” والصندوق العالمى للطبيعة. وعقدت الحلقة التى استمرت على مدار يومين بواشنطن فى نوفمبر 2016. وذلك بهدف رصد واستشراف نمط رد الفعل الرسمى لحكومات العالم ومؤسساته والشركات الخاصة والهيئات المعنية حيال أزمة مستقبلية افتراضية بسلاسل أمداد الغذاء. حيث لا ينبغى الانتظار حتى تأتى الأزمة إلى عتبات البيوت وموائد الإفطار، لكن من الحكمة أن نستبق الأزمة، وهو ما يشكل تحديا عالميا لاحتواء تداعياتها الإنسانية.

وقد شملت لعبة المحاكاة شخصيات من جنسيات مختلفة يمثلون مختلف بلدان العالم للوقوف على وجهات النظر المتباينة، حيث كان ضمن فريق اللاعبين دبلوماسى سابق من البرازيل، ممثل للعاملين بمجال الإغاثة لموزمبيق وتنزانيا، وزير زراعة أمريكى سابق. حيث مثل المشاركون الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد الأوروبي، إفريقيا، البرازيل، الهند، الصين، المنظمات متعددة الجنسيات والمستثمرون ورجال الأعمال.

وكانت النتيجة التى وصل إليها الخبراء، أنه بحلول عام 2050، فإنه من المتوقع أن يبلغ عدد سكان العالم 10 مليارات، وبالتالى سوف يتضاعف الطلب على الغذاء وبالتالى فإن العالم على وشك مواجهة أزمة غذائية تختلف أنماط الاستجابة لها. والحل يكمن فى العمل العالمى المشترك. ويمكن للقطاع الخاص بالتحديد أن يكون حليفا داعما فى هذا الصدد من خلال تقديم النماذج الاقتصادية المتعلقة بإنتاج السلع الأساسية وتداولها والبيانات المحورية فى عملية صنع القرار.

وطوال مراحل اللعبة كان الأمر واضحا تماما أنه بحلول عام 2050 يجب أن تكون الحلول التى تسمح بإطعام العالم مع حماية كوكب الأرض متاحة لفترة طويلة. من خلال التوسع الزراعى وزيادة الإنتاج الزراعى ورفع كفاءة استخدام الموارد، والحد من إهدار الطعام مع الحفاظ على الطبيعة للأجيال القادمة. لكن يبدو أن عجلات الأزمة كانت وتيرتها أسرع من توقعات اللاعبين بواشنطن، ولم تمهلنا الحرب الأوكرانية الانتظار سنوات قليلة آمنة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: