Close ad

إحياء العرب.. قيادات جديدة قادرة

21-7-2022 | 17:19

منذ الربيع العربي وحتى وقت قريب حُرم العرب من قادة حقيقيين، فقد أطاحت الثورات والانتفاضات تشكيلة حكم مستقرة في العواصم العربية، أكدت ـ رغم الثورة عليها ـ مع الأيام جدارتها في مقاربة الأزمات في المنطقة والعالم وحل المشكلات، وإن بطرق مختلفة، نتفق أو نتناحر عليها.
 
وكان يكفي أن تتابع مؤتمر قمة لتحصي أكثر من عشر زعماء عرب بوسعهم مخاطبة العالم بثقة، والتعاطي مع مشكلات الداخل بدهاء، ولم يضيعها، تلك القيادات، ومن ثم ما اكتشفه على التوالي، زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، ومعمر القذافي، من أنه لا حكم مدى الحياة.
 
هذا زمن فات، ولكن ثورات الربيع العربي التي انصبت عليها، في أوساط من قاموا بها، ومع تقديري لمن يرى أنها كانت شيئًا جميلًا وأد، تركت فراغًا واسعًا في الحكم والحكام، ولسنوات طويلة.
 
وجاءت قمة جدة الأخيرة لتكشف عن تشكيلة عربية جديدة من القيادات، بعد أكثر من عشر سنوات، تسعة من الزعامات العربية برهنت على قدرات في الاختلاف عن القطب الأوحد، الذي شاركهم القمة، وتقديم خطابات ورؤى مغايرة، واتخاذ مواقف، رسم القادة المشاركون في قمة جدة ملامح جديدة لعملية إحياء عربي، لا تكون فيها العواصم المختلفة رهينة تحالفات إقليمية مشبوهة، مثلما ما جرى الترويج له، حول حلف "ناتو" عربي - إسرائيلي ضد الخطر الإيراني، والأكثر تحديدًا أن القادة العرب قالوا بكل وضوح كاف إن حل القضية الفلسطينية هو الأمر الأكثر إلحاحًا لديهم.
 
لم يغب عن المراقبين مستوى التنسيق والتشاور بين العواصم العربية المشاركة قبيل قمة جدة، حتى لا يجلسون كالمتلقين وكي لا يُترك الرئيس الأمريكي في كرسي المحاضر، في "وان مان شو" صريح (مسرحية البطل الواحد).
 
وربما يجدر بنا أن نلاحظ الآن أكثر من أي وقت مضى أهمية التنظيم السياسي العربي، وهو المتمثل في جامعة الدول العربية، لقيادة عملية إحياء جديدة للعرب، بعد الاستقرار الذي شهدته الدول التسع المشاركة في قمة جدة، ودول المغرب العربي، وتستطيع العواصم القليلة المتبقية اللحاق.
 
القادة العرب لديهم فرصة الآن، وهذه العملية تحتاج إلى عمل جماعي، وقبل العمل الرغبة، خصوصًا أن العالم اليوم هو عالم تكتلات، فلا دولة بمفردها تستطيع أن تغرد وحدها، والتكتل العربي المتمثل في جامعة الدول العربية قديم، يصل إلى زمن الأربعينيات من القرن الماضي، وصاحب تجربة ثرية، وآليات متنوعة وشاملة، ويمكن تطويرها.
 
وقد يذهب هذا التطور إلى أبعد نقاط الوحدة، وقد يبدأ من العتبات، وتتحول كمؤسسة إلى "الاتحاد العربي"، مثلما حدث مع الاتحادين الأوروبي والإفريقي، وكان ذلك المسمى كأحد الأفكار المطروحة في مؤتمر الإسكندرية التأسيسي سنة 1944. (كان اقتراحًا من الوفد العراقي)..

القيادات العربية باتت في أوضاع وخبرات تمكنها من اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب؛ بل هناك تطور واضح وخبرات مكتسبة في أمور عدة يمكن أن تسهل تسريع عملية الإحياء ودعم قناعات المتخوفين أو المتشككين:
 
أولًا: تجارب النخب السياسية في فشل؛ بل وخطورة الاستغلال السياسي للدين واللعب والمناورة مع جماعات الإسلام السياسي، والذي عايشناه طوال الخمسين عامًا الماضية.
 
ثانيًا: خبرات الإدراك المؤلم لأزمة كورونا، وأزمة الغذاء في الدول العربية؛ حيث النجدة أتت من الشرق والغرب، ما يجعل الحاجة ملحة لشبكة أمان عربية، ولدى الدول العربية أطنان من الاتفاقيات الفردية بين دولتين أو أكثر وتلك الجماعية، وفي كافة المجالات.
 
ثالثًا: من واقع التجارب التاريخية، فإن العالم بعد كورونا والحرب الروسية الغربية على أرض أوكرانيا، لن يكون أبدًا كما كان قبلهما؛ لذلك فإن حقيقة اختلاف التوجهات العربية قبل الكارثتين، والميل إلى جاذبية قوى أخرى من خارج الإقليم، راقت للبعض على حساب العمل العربي المشترك، والرغبة في "الطريق المختلف المغاير" أيا كان الثمن، وأحيانًا المكايدة والتعالي، هي أمور يجب أن نتوقف عندها كثيرًا ونراجع المكتسبات والمفقودات التي خلفتها.
 
رابعًا: قناعات الحكم والرأي العام بأن الوحدة العربية الشاملة لم تحقق النجاح المنشود في أي وقت، والتجارب الوحدوية الأليمة، أقنعت الكافة بأن الوحدة هي شيء آخر.
ومع تقديري والحنين الجارف لتجارب مصرية وسورية وعراقية وسودانية إلخ... فإن الناس باتت على يقين بأن الوحدة التي يريدونها، هي نظام يتيح لهم التنقل والعمل والإقامة والربط الكهربائي والسكك الحديدية والجمارك والعملة الموحدة، ويمتلئ أرشيف القمم العربية ومجالس الجامعة المتخصصة باتفاقيات حول كل هذه الأمور.
 
خامسًا: مستوى الوعي الذي تشكل لدى النخب الحاكمة الآن يعطي فكرة عن مسألة السيادة في الوصول إلى مستوى متقدم من الإحياء العربي، فالسيادة هنا لن تتربص بها عاصمة، والمجال لن يكون متاحًا لاستعراض العضلات ما بين دولة غنية وأخرى فقيرة؛ لأنها ستكون سيادة الاتفاقيات الموقعة والنصوص الحاكمة والمرجعية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: