Close ad

العيد الكبير.. أجواء خالدة في ذاكرة العلماء

20-7-2022 | 16:36
العيد الكبير أجواء خالدة في ذاكرة العلماءالاحتفال بعيد الأضحى - أرشيفية
تحقيق - أحمد نورالدين - هناء عبدالمنعم
الأهرام التعاوني نقلاً عن

السماحة لا تفرق بين مسلم ومسيحي.. وتكمل الفرحة بتوزيع الأضاحي على الفقراء

موضوعات مقترحة

ثوب جديد وحذاء وعيدية غاية الصغار.. وصلة الأرحام ولمة العيلة عادة الكبار

الحديث عن ذكريات الاحتفاء والاحتفال بعيد الأضحى -أو ما نسميه بالعيد الكبير- لدينا جميعا، حديث يملأه البشر والسرور والمواقف المبهجة التى لا تنسي، سواء مع الأضحية، أم لبس العيد، أم صينية الفتة باللحمة، أم حتى العيدية.

كبار علمائنا لا ينسون هذه الذكريات الجميلة صغارا، التي تنمو مع السنين فتثمر في نفوس أولادهم الود والقربى، التفاصيل فى السطور الآتية.. 

يقول فضيلة الدكتور محمود الصاوى الوكيل السابق لكليتى الدعوة والإعلام جامعة الأزهر بالقاهرة: تأتى أيام العشر من ذى الحجة أفضل أيام الدنيا بما تتضمنه من عبادة الحج الأكبر، ركن الإسلام الأعظم، حيث تتعلق القلوب والافئدة ببيت الله الحرام طوافا وسعيا وتلبية ووقوفا بعرفة ومبيتا بالمزدلفة وأداء لمناسك الحج، وتأتى الفرحة الكبرى بعيد الأضحى المبارك أعاده الله علينا وعلى مصرنا وأمتنا أعواما عديدة وأزمنة مديدة، وعندما نسترجع هذه الذكريات الغالية تتراءى أمامنا أسباب السعادة والفرحة الغامرة، ففى طفولتنا هناك فى قريتنا الحبيبة فزارة حيث نشأت فى بيت الشيخ الوالد العارف بالله الشيخ الصاوى رحمه الله، بيت علم وذكر وقرآن وتربية على القيم الإيمانية الجميلة الرائعة، شاهدنا السماحة والبساطة والمحبة والارحام الموصولة وحفظ الأمانات وقبول الآخر، حيث كان أبى الشيخ العارف بالله يربى معنا فى بيتنا أسرة مسيحية كاملة يرعاها كما يرعانا كسوة ونفقة وإطعاما وعلاجا، فنشأنا فى هذه السماحة وتربينا عليها. 

وأول سمة بقيت فى ذاكرتى للان تربية الأضاحى فى المنزل، حيث كان أبى رحمه الله يحضر الماعز بالاكثر يربيها فى بيتنا للعيد، ولا أذكر اننا اشتريناها أبدا جاهزة، بل كانت تكبر أمام أعيننا ونحن نساعد من يكلفه ابى باطعامها وسقايتها طوال الوقت، وتربية الأضاحى فى البيوت تربية عملية لنا نحن الأطفال على قيمة ومكانة ومنزلة هذه الشعيرة الإسلامية الكبري، ولذلك فإننى لست مؤيدا بالكلية لفكرة الاستعاضة بمبلغ من المال يدفع وتفويض آخرين يقومون بشعيرة ذبح الأضاحي، بل انا مع قيام الأسرة نفسها لمباشرة عملية الأضحية سواء بخروف أو ماعز أو اشتراك فى سبع بهيمة بقرة أو جاموسة، وأن يخرج المضحى مع أولاده بعد الصلاة لحضور عملية الذبح وتقسيم الأضحية، لماذا؟ لتبقى شعائر الإسلام الظاهرة حية فى نفوس الأجيال الحالية والقادمة ولا تختفى وتذبل وتموت مع مرور الوقت، وامامنا البيان النبوى الشافى فى هذا الباب: «ما عمل آدمى من عمل يوم النحر أحب الى الله من أهراق الدم، إنه ليأتى ليوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وأن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفسا».

وتبقى الصور الإيمانية

ويضيف د. محمود الصاوي: وصيتى للجمعيات والمؤسسات التى تقوم بذبح الأضاحى نيابة عن أصحابها أن تعينهم وتوفر لهم فرصة مشاهدة وحضورعملية الذبح وترغبهم فيها، ووصيتى للأسر التى تدفع الصكوك ألا تتوانى فى تمكين أطفالها وناشئتها من شهود عملية ذبح الأضاحي، قال [ للسيدة فاطمة الزهراء: (يا فاطمة قومى إلى أضحيتك فاشهديها فإنه يعفر لك عند اول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عمليته وقولى إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وانا اول المسلمين)، ثم يأتى إشراك الأبناء والبنات فى توزيع الأضاحى بعد ذبحها وتجهيزها اثلاثا على أقل تقدير، ثلث للفقراء، وثلث الأقارب هدايا، وثلث لأهل البيت تجهز بطريقة شبك أطباق فوم مثلا وتغليف جيد، وتكليف الابناء بالمشاركة فى التوزيع ليشعروا بقيمة الشعيرة وأهميتها ومنزلتها فى الإسلام بالتدريب العملى على هذا لانتفاعهم بها عندما يكبرون وتبقى هذه الصور الإيمانية حية فى عقولهم وافئدتهم.

نلتف حول الجزار أثناء الذبح

ويتذكر الدكتور مبروك عبد العظيم عميد كلية الحقوق جامعة بنى سويف قائلا: كنا فى طفولتنا وخصوصا على ما اذكر فى المرحلة الابتدائية نهتم بملابس العيد، فيقوم والدنا بشراء قطعة قماش أو قطعتين لكل فرد من أفراد الأسرة ثم يأخذنا إلى الخياط ليقيس لكل واحد من ثوبه، ويظل كل واحد منا فى الأسرة، إخواتى وأولاد عمومتى ينتظر استلام الثوب من الخياط، وفى يوم عرفة كان يستلم كل واحد منا ثوبه من الخياط، ثم يأخذنا الوالد لشراء حذاء لكل واحد من الأطفال فى الأسرة، ويفضل كل واحد منا طوال الليل واضعا ثوبه الجديد وحذاءه على السرير بجواره، وعند الفجر يبدأ كل واحد يلبس ثوبه الجديد وحذائه استعدادا لمشاركة أطفال القرية فى الفرحة بالعيد، وشراء البالونات واللعب، وكانت لعب العيد تقليدية جدا لكنها كانت مفرحة ومبهجة جدا، وعندما كبرنا ودخلنا مرحلة الثانوى كان الحرص الشديد منا على الاستيقاظ مبكرين والذهاب الى المسجد، وكان المنزل أمام المسجد مباشرة، وذلك للمشاركة فى تكبيرات العيد وحضور صلاته، وكان سيدنا الشيخ احمد جاد الرب الذى كنا نحفظ القرآن على يديه يشجعنا على المشاركة فى تكبيرات العيد، ثم بعد الصلاة نذهب إلى أقاربنا لتهنئتهم بالعيد.

يضيف فضيلة الدكتور مبروك عبد العظيم عميد كلية الحقوق جامعة بنى سويف: وبالنسبة للأضحية فكانت عبارة عن جدي، وكنت أنا وأولاد عمومتى نلتف حول الجزار أثناء الذبح، ثم بعد ذلك كان جدنا والوالد يعطى كل واحد منا ما تيسر من لحمة الأضحية ويكلف كل واحد منا بالذهاب إلى بيت من بيوت الأقارب والجيران، ومن العجيب أن الأضحية كانت عبارة عن شاة واحدة، ولكن كان ربنا واضع فيها البركة، فكان يوزع منها على أسر كثيرة، وبعد صلاة الظهر كانت جدتى تعد لنا صينية الفتة، وتجتمع كل الاسرة فى جو يملأه الفرح والسرور والبهجة، ثم بعد ذلك مع مرور الزمن بدأت القريه تجتمع لصلاة العيد فى ساحة موجودة بالقرية، وكان يصلى بنا صلاة العيد مولانا فضيله الشيخ سيد عبد اللاه محمود رحمه الله مدير المنطقة الازهرية ثم بعد ذلك نظرا لتقدم سنه ترك صلاة العيد والخطبة لمولانا فضيلة الشيخ موسى علوان مدير الوعظ بأسيوط، ثم كان يصلى بنا العيد ويخطب لنا فضيلة الشيخ رأفت على حماده الواعظ بمركز ديروط، ثم سافر فضيلته مبعوثا عن الأزهر الشريف وأسند إلىَّ صلاة العيد وأداء الخطبة حتى الآن، ومن أجمل ما فى هذا اليوم أن أهل القرية بعد صلاة العيد يسلم كلهم جميعا بعضهم على بعض ثم تبدأ الزيارات والتهنئة بالعيد.

العيدية بالقرش

ويتذكر معنا فضيلة الدكتور مختار مرزوق عميد كلية أصول الدين بأسيوط جامعة الأزهر الشريف سابقا أجواء احتفاله بالعيد قديما قائلا: من المعروف ان العيد يوم بهجة وسرور على الجميع وبخاصة أن أعيادنا فى الاسلام مقرونة بالعطاء والكرم والجود، ومن ناحية عيد الأضحى تبدأ أجواؤه عامة بصلاة العيد، وكنا ونحن صغار نصلى صلاة العيد مع الكبار ثم نخرج للهو واللعب مع أقراننا من الأطفال والشباب وهذا بعد خطبة العيد، كما أن من الأشياء الجميلة عندنا أن الأعياد مقرونة أيضا بالتزاور وصلة الأرحام، فكنا ننتظر أقاربنا من الكبار يعطوننا العيدية، وكانت العيدية فى ذلك الوقت بالقرش، وكان القرش له قيمة فى ذلك الوقت، فكان يأخذ كل منا مجموعة من القروش يشترى بها أشياء كثيرة، كذلك من الأجواء العامة للأعياد ان الواحد كان يذهب مع أبيه للسلام على الأقارب ويذهب مع أمه للسلام على أقاربها فى بلدنا وبعض البلاد المجاورة، وكانوا يستقبلوننا بالترحاب فى أيام لا أنساها أبدا.

يضيف فضيلته: وعن ذكرياتى مع الأضحية فمن نعمة الله سبحانه اننى نشأت فى أسرة قادرة على الأضحية فى كل عام، ولم نتخلف فى أى مرة عن ذلك حتى عندما ماتت الأضحية قبل العيد بأيام ونحن فى مرحلة الصغر اشترينا أضحية مكانها، ومن هنا علمنا ونحن فى الصغر ان المسلم إذا كان قادرا فإن عليه أن يضحى سواء قلنا بالوجوب او بالسنية، فهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء، لكن من محافظة الكبار على الأضحية علمنا صغارا انهم يأخذون بمذهب الوجوب وهو رأى الحنفية فى ذلك وهذا ما عرفناه فى الكبر.

ومن الذكريات العزيزة للأضحية ان الكبار كانوا يرسلوننا باللحم الى الجيران والاقارب والاصدقاء حتى انه كانت لنا قريبة هى بمثابة الجدة لى فكنت أركب الدراجة واذهب اليها فى البلد المجاور فى كل عيد اضحى لكى أعطيها نصيبها من اللحم، وظل هذا الأمر إلى أن تخرجت من الجامعة، فهى ذكريات محفورة فى الذهن لا أنساها أبدا، والحياة فى ذلك الوقت كان يملأها السرور والفرح وعدم الفخر على الآخرين كما يحدث الآن من كثير من الناس، ولابد هنا أن نذكر بحرمة التباهى بالأضحية الكبيرة على من ضحى بكبش أو بجدي، فقد ثبت عن ابى ايوب رضى الله عنه قال: «كان الرجل فى عهد رسول الله [ يضحى بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباها الناس فصاروا كما ترون» رواه الترمذى وابن ماجه وهو حديث صحيح، والخلاصة أننا نوصى كل القارئين بالمحافظة على صلاة العيد وعلى سماع الخطبة وعلى تأجيل زيارة الموتى الى ما بعد ايام العيد، حتى ينال الإنسان رضا الله سبحانه وتعالى فى الدنيا والآخرة، كما أننا نوصى الأغنياء بأن عليهم أن يضحوا فى وقت الأضحية، وهى ما بعد صلاة العيد وألا يقدم الإنسان الذبح على يوم العيد لأنها حينئذ ليست اضحية، والدليل على ان الغنى عليه أن يضحى سواء كان على مذهب من يقول إنها واجبة قول النبى [ «من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا» رواه أحمد وابن ماجه وهو حديث صحيح، وحتى على رأى من يقول إنها سنة للقادر عليها نقول للقادرين لماذا لا تأخذوا حظكم ونصيبكم من هذه السنة التى لا تكون إلا فى كل عام مرة واحدة.

الأولاد «يكيسون» اللحمة.. والبنات تحضر الفتة

الدكتورة إيمان بكر خضر عميد كلية الطب البيطرى جامعة القاهرة تقول: إن أمي كانت تربى الأضحية، وكانت عبارة عن خروف او أكثر فى السطح عند جدتى، وكانت توقظنا فى الفجر لكى نحضر ونشهد شعيرة الذبح، وكنا بعد ذلك نقطع اللحم ونكيسه فى الأكياس، ونبدأ فى توزيعه على الأهل والفقراء، والأولاد كانوا بيساعدوننا فى تكييس اللحمة، أما البنات فكانت تطبخ وتحضر الفتة للفطار، وكانت العيلة كلها تتجمع أمى واخواتى وجدتى وخالتى وخالى، وأجواء العيد اختلفت الآن بعد انتشار صك الأضحية، فالناس بدأت تستسهل بعيدا عن دوشة الذبح والتعب والنظافة، وأيضا بعد كورونا لم تعد الزيارات والتجمعات مستحبة فبقى العيد بدون طعم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: