Close ad

صندوق الشرور الأمريكي

20-7-2022 | 19:53

سوء التقدير والحسابات الخاطئة، بل والكارثية أحيانا، باتت سمة ملازمة للرئيس الأمريكي جو بايدن وأركان إدارته، أينما غدا أو راح، بالعديد من الملفات، لا سيما الدولية منها، وتجلت بوضوح مظاهرها الأخيرة بفصول وتوابع الأزمة الأوكرانية.
 
يحدث ذلك في وقت يعلم فيه الجميع أن سطوة أمريكا ونفوذها الكاسح والمترامي الأطراف تراجع كثيرًا جراء تأثيرات وتحولات شهدها العالم والداخل الأمريكي في السنوات الفائتة، وأن واشنطن نفسها تحتاج لترميم مكانتها وصورتها كقوة عظمى كانت متفردة برسم خريطة العالم على هواها ومقاساتها الخاصة، وما على الباقين سوى اقتفاء أثرها دون تململ أو شكوى.
 
بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة لها سوابق مزعجة ومخجلة في توريط آخرين والزج بهم في فخاخ لا يحصدون منها سوى العلقم والأضرار غير المحدودة والمؤثرة على مستقبل دولهم وأجيالها القادمة، والشاهد على ذلك التجربة الأفغانية البائسة التي أنتجت سلسلة طويلة عريضة من الجماعات الإرهابية الشيطانية عملت على تقويض استقرار وأمن بلادها، وبعضها شب وترعرع في أحضان المخابرات المركزية الأمريكية الـ سي آي أيه وتحت سمعها وبصرها، وانتهى المطاف بأفغانستان إلى العودة إلى كنف حركة طالبان، بعد الانسحاب الأمريكي المخزي والمتعجل منها.
 
واليوم تكابد القارة الأوروبية ويلات وتداعيات الورطة الأوكرانية - الروسية، فإدارة بايدن هيأت المسرح وأشعلت فتيل الحرب الروسية - الأوكرانية، وحشدت الأوروبيين من خلفها، ثم جاءت الصدمة سريعًا، حيث تئن أوروبا الآن من وطأة وأوجاع التبعات الاقتصادية والمالية الموجعة، وما رافقها من أزمات واختناقات نتجت عن توقف إمدادات الغاز الروسي.
 
واكتشف الأوروبيون متأخرًا أن موسكو لم تكن ضحية ما فرضوه من عقوبات عليها، وأن تلك العقوبات كانت أكثر إيلامًا لهم، وأنها لم تسفر عن تليين موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تجاه مواصلة الحرب على أوكرانيا التي كانت أيضًا أولى ضحايا سيناريو هوليوود الذي كتبته واشنطن ونفذه رئيسها زيلينسكي دون تفكير ولا تروٍ.

ولم تقتصر خسائر الأوروبيين على الجوانب الاقتصادية والمالية والغذائية، ومعدلات التضخم والركود القياسية، بسبب صندوق الشرور الذي فتحته الحرب الروسية - الأوكرانية، لكن أضيف إليها دخولها فى نفق مظلم يبشر بقرب خفوت نجم الهيمنة السياسية والاقتصادية الغربية، وأصبحوا تائهين يبحثون عن مرفأ ترسو عليه سفينتهم بعيدًا عن الشاطئ الأمريكي، وأن تعتمد قواعد التعامل بين الجانبين الأوروبي والأمريكي على مبدأ الندية، وليس التبعية والقيام على خدمة ما تقرره واشنطن.
 
والمؤسف أن الإدارة الأمريكية تصر على اتباع النهج نفسه في اعتبار الآخرين أدوات تستغلها وتوجهها حيثما شاءت وتبغي، ولا تتعلم من أخطائها في أوكرانيا التي لا تزال طازجة وحية، حيث تعمل حاليًا على تجييش أوروبا للمشاركة في معركتها التالية، بعد أن تخمد نيران الأزمة الأوكرانية، وميدان هذه المعركة سيكون في آسيا التي تضم كبريات أسواق العالم.
 
وبدأت عمليًا التمهيد النيراني لهذه المعركة بالوكالة بتصريحين، الأول صاحبه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والوفي بشدة لأمريكا، وفي خلاله قال: "إن التغيير الجيوسياسي الأكبر في القرن الحادي والعشرين سيأتي من الصين وليس روسيا، وأنه على الغرب ألا يسمح للصين بالتفوق العسكري، وينبغي علينا زيادة الإنفاق العسكري للمحافظة على تفوقنا العسكري"، وكأنه لا يحق للصين أو غيرها التفوق بكافة المجالات ومناطحة أمريكا، وتجاوزها إن استطاعت.
 
التصريح الثاني جاء على لسان البريدج كولبي النائب السابق لوزير الدفاع الأمريكي للشئون الإستراتيجية وتطوير القوات، وقال فيه: "إنه يتعين أن تركز السياسة الخارجية الأمريكية بسرعة عقب الحرب الروسية - الأوكرانية، وحتى خلالها، على المنطقة الأكثر حسمًا في العالم وهى آسيا".
 
وبهذا فإن الولايات المتحدة تعد فخًا جديدًا للأوروبيين في القارة الآسيوية، وتدعوهم ببراءة ليست بغريبة عليها لخوض حرب بالوكالة فيها، حتى لا تتمكن الصين من منافستها على زعامة العالم، وتصعب عليها طريق إزاحتها من المركز الأول سياسيًا واقتصاديًا، ويبقى السؤال البديهي والصعب معًا، وهو هل ستحكم القارة العجوز عقلها، وتستفيد من درس أوكرانيا، أم أنها ستكرر حرفيًا ما فعلته بالأزمة الأوكرانية؟

يلي ذلك تساؤل آخر وأخير عما إذا كانت الولايات المتحدة وإدارتها الراهنة ستتابع بنجاح ساحق ماحق سياسة سوء التقدير التي ورطت عالمنا في سلسلة هموم وكوارث يلزمه لمعالجتها، وتنقية جسده من سمومها وقت طويل وفواتير لا حصر لها؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الوحش الأفغاني

بين جبال أفغانستان الشاهقة يختبئ مقاتلو تنظيم داعش خراسان الذى أعلن مسئوليته الشهر الماضي عن العملية الإرهابية التي استهدفت مركزًا للتسويق قرب العاصمة

الأكثر قراءة