Close ad
18-7-2022 | 16:32

نستقبل في هذا الشهر الذكرى السبعين لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، بعد أيام من احتفالنا بثورة ٣٠ يونيو التي أنقذت مصر من براثن الحرب الأهلية والإرهاب، المناسبتان جاءتا بالتزامن مع عرض الفيلم الملحمي "كيرة والجن"، والذي تناول حُقبة ثورة ١٩١٩، وأحداثه تدور في زمن الاستعمار البريطاني، ثورات عديدة قام بها الشعب المصري وسنوات من الصبر والكفاح والنضال تفرد بها هذا الوطن، مما يجعلنا نُلقي نظرة تحليلية على النقاط المشتركة بين تلك الثورات، ولا نستثني منها ثورة يناير ٢٠١١؛ بحكم كونها نقطة تحول في التاريخ الوطني.
 
 أجمع المحللون كَون ثورتي ١٩١٩ و١٩٥٢ متكاملتين؛ حتى وإن ظهرت الأولى (وطنية دستورية) والثانية (وطنية اجتماعية سلطوية)؛ مما يعني اتصال الحلقة بينهما، ويعكس عدم التخاصم في منهجهما؛ فلا نستطيع إدانة معطيات أي منهما، بل لابد عند الحكم عليهما أن نتجرد من تعمد التركيز على  الخير المطلق في جانب، والشر المطلق في الجانب الآخر؛ وعليه فإن أفضل تصور للعلاقة بين الثورتين هي العلاقة الجدلية (بالمعنى الفلسفي)؛ أي إنها علاقة تشتمل على التكامل والتناقض في آن معًا.
 
وهنا يحضرني تَعمُد بعض قادة ثورة يوليو ولفترة من الزمن تجاهل ثورة ١٩١٩، غافلين عما حققته من إنجازات مُهمّة على صعيد القضية الوطنية؛ منها إلغاء الحماية البريطانية والاعتراف بمصر دولة مستقلّة، ثم معاهدة ١٩٣٦؛ كذلك إلغاء الامتيازات الأجنبية ونظام القضاء المختلط، وهذه كلها إنجازات ومكاسب مهمّة، بالنظر إلى الظروف الدولية وقتها؛ فحتى لو لم يتم تحقيق الاستقلال الوطني الكامل، إلا أن ثورة ١٩١٩ مهدت له.
 
وإذا اتسعنا بدائرة الربط بين الثورات، سيتكشف لنا العلاقة الوطيدة بين ثورتي ١٩٥٢ وثورة ٢٥ يناير، وصلتهما بثورة ٩ مارس ١٩١٩؛ حيث تعتبر ثورة يناير هي مُحصلة ثورتي ٢٣ يوليو و٩ مارس؛ فالثورات الثلاث معالم رئيسية في تاريخ النضال الوطني بالرغم من اختلاف أهداف كل منها؛ فالقضية الوطنية كانت الهدف الأول لثورة ١٩١٩، والعدالة الاجتماعية في ثورة ١٩٥٢، والحرية والديمقراطية في ثورة ٢٠١١، كل ذلك تحت مظلة واحدة جامعة  للثورات الثلاث ألا وهي الدرجة الإيمانية للشعب بقطبيه المسلم والمسيحي؛ فثورة ١٩١٩ هي الثورة التي رفعت الهلال مع الصليب كدليل على وحدة نسيج الشعب، وثورة ١٩٥٢ هي الثورة التي اعتلى قائدها "جمال عبدالناصر" منبر الجامع الأزهر صارخًا: سنحارب ولن نستسلم؛ ليعلن صمود شعبه وجيشه في مواجهة العدوان الثلاثي، أما ثورة يناير فهي الثورة التي أدى فيها الثوار من المسلمين صلاة الفروض وصلاة الجمعة في ميدان التحرير، وحولهم إخوانهم من ثوار أقباط مصر، وبالمثل أدى ثوار مصر الأقباط صلاتهم وقداسهم في حراسة إخوانهم من الثوار المسلمين.
 
وتختلف ثورة ٣٠ يونيو؛ فهي لم تكن ضد الاستعمار أو ضد الملكية أو ضد التوريث، لكنها كانت الكاشفة لهوية الشعب المصري الرافض للتمزق، المُحارب للغلو والتطرف والإرهاب؛ فقامت ضد جماعة ظنت أنها احتلته وتمكنت من أطيافه، فهب الشعب بنفس العنف الذي ينتهجه ضد من أراد فرض سيطرته عليه، حتى لو لم يكن مستعمرًا خارجيًا.
 
ونأتي لأهم النقاط المشتركة بين الثورات وهي علاقة الثوار والشعب بالجيش؛ فثورة يوليو ثورة جيش سانده وأيده وباركه الشعب، وثورة يناير احتضن الجيش الشعب، ووفر لها الحماية وأقر مطالبها المشروعة فى أول بياناته، وكان موقفه واضحًا بأنه سيقود البلاد لفترة انتقالية وتعهد بحماية الديمقراطية وتسليم البلاد لسلطة مدنية منتخبة؛ أما ثورة يونيو فبطلها الجيش وقادته الذين حاربوا خفافيش الظلام، وكانت القوات المسلحة المصرية ملاذًا للشعب والمُعبر عن إرادته واحتياجاته؛ بتحقيق مطالبه وبمحاربة الإرهاب؛ مما يقودنا لاستنتاج واضح كون الكلمة الأخيرة في أي ثورة للجيش المصري؛ ففي ثورة يوليو عزل الملك وفي الثانية تم إسقاط نظام مبارك، وفي الثالثة تم عزل الإخوان المسلمين برئيسهم.
 
ثورة يوليو امتداد لثورة ١٩١٩ وهي لم تنته، بل استمرت بامتدادها في ثورة ٢٥ يناير وثورة ٣٠ يونيو؛ فهي ثورة تحرر وطني على الصعيد الداخلي من خلال دعوة المواطن إلى أن يرفع رأسه بعد أن ولى عهد الظلم والاستعباد.
 
وهي ثورة استقلال وطني؛ حيث ركزت على خيار التحرر من الاستعمار التقليدي، لكنها كانت نواة ثورات تحرر مِن مَن ظنْ أنه يستطيع أن يسوق الشعب المصري؛ سواء بالغُبن والفساد أو فرض التوريث أو بالإرهاب ومحاولة شق الصفوف. 
 
فالمصري ليّن القلب، هادئ السريرة، طيب المَعشر إلى أن تُمس حريته أو عقيدته أو يستشعر فرض السطوة، عندئذ يتحول ويصبح النضال والثورات منهاجه.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: "نظرة على الانتخابات الفرنسية"

منافسة قوية ومواجهة ساخنة بين إيمانويل ماكرون ومنافسته في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان ، اتخذت المواجهة طابعًا إعلاميًا قويًا

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية

د. شيرين الملواني تكتب: "عن رُهاب الشعوب"

إذا ما صادف مواطن فرنسي آخر ألمانيًا في شوارع باريس، ستجد عدم ترحاب وتحفز بين الطرفين عند التعامل فيما بينهما، أما إذا تحاورت مع فرنسي سياسيًا وذُكر لفظ ألمانيا أمامه؛ فلن تشهد سوى الامتعاض على وجهه

الأكثر قراءة