Close ad

في ثقافة الطين (3 ـ 3)

12-7-2022 | 11:42

اجتمع كثيرون على محبة ثقافة البناء بالطين، وذلك على خلفية تقديم الحل لقضايا عدة شغلت عالمنا العربي والإسلامي على مدى القرن العشرين كله، كالأصالة والمعاصرة، والتراث والتجديد، واقترن ذلك في منطقتنا خصوصًا بالإعجاب بالمحتل ومنجزاته، وفي نفس الوقت بمقاومته وبرفض المركزية الأوروبية ومحاولات جعل الشرق قطعة من أوروبا.
 
ليس هذا فحسب، وإنما شمل الطرح الوطني الجاد الثقة في أدواتنا وإثبات كفاءتها والرغبة في تطويرها، والمثير للانتباه وكما رصدنا، عبر المقالات السابقة، عن "العذيبات" و"ثقافة الطين"، أن من أكترث للهوية في مسألة البناء بالطين هم من النخب العربية المثقفة والتي تلقت أعلى مستوى تعليمي..
 
فالمهندس حسن فتحي الذي قدم افتتاحية مذهلة في ثقافة البناء بالطين في كل من "القرنة" بالأقصر و"باريس" بالواحات، وشيد بالأدوات المحلية ومن تحت أقدامنا، بنايات عامة وخاصة، قاد فريقًا من العازفين الذين أخلصوا لأستاذهم، مثل الدكتور عبدالباقي إبراهيم والدكتور عبدالواحد الوكيل والدكتور عادل فهمي، نحو اعتراف العالم، وحسن فتحي كان ضد العمارة الغربية؛ لأنها ليست نابعة من الأرض التي يعيش فيها الفلاح المصري فبنى بالطين عمارة الفقراء، وهو بهذا كان يسبح ضد التيار، فنجح في اجتيازه حتى كان أول مصري يدعو لبناء مساكن في الولايات المتحدة.
 
وكان المهندس حسن فتحي قد عمل تصميمات للبيوت في الدرعية السعودية في منتصف الستينيات كخبير الأمم المتحدة في مشروعات التنمية بالمملكة، والتقى بالملك فيصل.
 
بينما جاء جيل تال، مثل الدكتور رمسيس ويصا واصف، والدكتور صالح لمعي، طور أفكار البناء بالطين بشكل حاسم، وتتقاطع إنجازات هؤلاء مع الأمير صدر الدين أغاخان الذي بدأ في منح جائزته المعمارية الشهيرة في النصف الثاني من السبعينيات، ومع الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا، ومع الأمير سلطان بن سلمان رئيس مؤسسة التراث الخيرية ورائد العمران بمفهومه الشامل في السعودية، ولكل اسم من هؤلاء منهجية، لم تخضع للتنافس، إنما حاولت التكامل ومشاركة الأفكار والتجارب..
 
وإذا كان الأمير تشارلز لديه أسلوب قائم على أن أنماط العمارة المعاصرة تلغي وجود الإنسان داخل المكان، مما ينتج الشعور بحالة عدم الانسجام، فإنه يرى أن الطرز المعمارية المتولدة من العمارة المحلية وتطويرها في إطار هذا السياق، يخلق حالة جيدة من الشعور الإنساني مع العمارة، ومن هذا المنظور بحث الأمير تشارلز عن العمارة في حضارات مختلفة.. 
 
أما مقاله الشهير عن مبادئه في الهندسة المعمارية، فبسط قناعاته بأن العودة إلى مبادئ التصميم التقليدية أمر ضروري لتمكين النمو الحضري المستدام الذي يلبي احتياجات البشر.
 
 بينما في تأملاته في مدينته الرياض اليوم بوصفها مدينة تسابق الزمن نحو الحداثة، والأمس بأحيائها ومبانيها وشوارعها التقليدية، كان ذلك بعد عودته من رحلته الفضائية، فقد شعر الأمير سلطان أن "ثمة حاجة ملحة إلى دمج الماضي مع الحاضر، وأهمية توظيف العناصر البصرية لتؤدي دورها الرئيس في تكوين صورة ذهنية واضحة عن إطار الحياة الذي نعيش فيه، وخلص إلى أن ذائقة المكان ليست ترفًا عمرانيًا، كما جاء في كتابه "سيرة في التراث العمراني"..
 
لدينا إذن أميران يتمتعان برؤى فلسفية وثقافية للحياة وكل منهما يعكس اهتمامه عبر إعادة اكتشاف التراث الخاص بهويته، ثم التقدير الحقيقي للتراث الإنساني بعامة.. ويبدو أن ذلك المشترك دفعهما إلى اللقاء والتعاون ومن ثم التوافق والتوازن، على خلفية الاهتمام بإحياء التراث العمراني، ودعم ذلك اهتمام الأميرين الأساس برائد العمارة المصري المهندس حسن فتحي وتلميذه الدكتور عبدالواحد الوكيل الذي عرف الأميرين من خلال أعماله المهمة في كل من بريطانيا (معهد الدراسات الإسلامية في جامعة أوكسفورد) والسعودية (إحياء مسجد قباء، مسجد القبلتين، مسجد الميقات، مسجد الكورنيش بجدة، وبيت العذيبات)، ويبدو أنه كان له الدور الأكبر في تقاربهما..
 
أكثر من ذلك، في قصة الأميرين العربي والإنجليزي، أنهما أخذا الأمر على محمل الجد، والأهم أنهما حولا رؤاهما إلى عمل مؤسسي ولد ليبقى. فمؤسسة الأمير سلطان تعمل في السعودية وخصصت جوائز للعمران في الأبحاث الواعدة وعلى مستوى الإنجاز (تأسست عام 1999).. وتحولت تجربة بيت العذيبات، وهو بيت الأمير شخصيًا، إلى مكان تعليمي، وأسهم الأمير سلطان ليس فقط في تأصيل الاهتمام العام بالتراث، وإنما في تطوير مواقع أثرية وإعادة تأهيلها، وأكثر من ذلك في إنشاء "سجل وطني للتراث العمراني" الذي قام بتوثيق أكثر من 20 ألف مبنى ضمن 200 موقع كمرحلة أولى ضمن الإستراتيجية الوطنية للحفاظ على التراث العمراني.
 
 وتعمل مؤسسة الأمير تشارلز في بريطانيا ودول عدة منها مصر (رعاية مركز الحرف التراثية في الفسطاط)، وتتعاون مدرسة الأمير للفنون التقليدية (وهذه أسسها حسن فتحي أيضًا) مع المدارس الصيفية وبرامج عمل الفنون التقليدية لمؤسسة التراث الخيرية في السعودية التي أسسها الأمير سلطان..
 
ما جمع الأميرين سلطان وتشارلز هو الاهتمام المشترك بالتراث الذي يحقق تنمية مستدامة، ومع التعاون ورحلة السنين والقناعات المشتركة التي عليها أن تحارب طويلا لكسب فرص بقائها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: