Close ad

الخاسر الأكبر من غياب آبي

11-7-2022 | 15:53

باغتيال شينزو آبى، لم تخسر اليابان فقط شخصية قيادية مؤثرة ومحركة لبوصلة الساحة السياسية الداخلية، لكنها قبلها فقدت وجهًا إصلاحيًا سيكون لغيابه تأثيراته البالغة والموجعة على التيار الإصلاحي الطامح والساعي لإعادة بلاد الساموراي لمكانتها كدولة طبيعية، خصوصًا فيما يتعلق بالجوانب العسكرية والقيود المكبلة بها لتسليح جيشها، وحريتها في المشاركة في ترتيبات الدفاع الجماعية على المستويين الإقليمى والدولى، بدون أن يثير ذلك حفيظة ومخاوف وتذمر أى طرف بمحيطها الإقليمى، أو خارجه.
 
فالراحل كرس جهدًا فائقًا، خلال سنواته الثماني في رئاسة الوزراء ـ أطول مَن شغل المنصب بتاريخ اليابان ـ لمنح الزخم الكافي والقوي لإصلاح الإطار العسكري الذي وضعت فيه اليابان، عقب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية بحكم الدستور السلمي للبلاد، ومواده التي تنص على تخلي اليابان للأبد عن الحروب والقوة لتسوية النزاعات الدولية، وتمنعها من بناء قوة عسكرية يعتد بها كبقية دول العالم الطبيعية.
 
وخطا آبى خطوات كبيرة في هذا المضمار الشاق، الذي يٌعد السير فيه رحلة محفوفة بالأخطار والألغام داخليًا وخارجيًا، وكان يسعى بكل طاقته لنيل إجماع وتوافق اليابانيين على تعديل الدستور الذي صاغته قوات الاحتلال الأمريكية قبل ٧٠ عامًا، ولم يطرأ عليه تغيير جذرى طوال عقود، حتى يتناسب مع المتغيرات الحادثة والجارية على الصعيدين الدولي والإقليمي، وأن تمتلك طوكيو أدوات ومعطيات حماية أمنها القومى المحاط بتهديدات خطيرة ومتواصلة من جهة الجارة كوريا الشمالية، والصين البازغ نجمها، وحلت محل اليابان كثاني أكبر قوة اقتصادية في عالمنا.
 
ولا ننسى كذلك أن لليابان حدودًا مع روسيا شمالا، وبين البلدين نزاع لم يتم إنهاؤه، حول جزر "الكوريل" ـ أربع جزر ـ وتعتبرها طوكيو أراضى يابانية محتلة روسيًا بشكل غير قانونى، وفقا لما ورد في أحدث تقاريرها الرسمية عن الدبلوماسية اليابانية.
 
وليس خفيًا أن اليابان تقف بالمعسكر الغربي والأمريكي المناوئ لموسكو، بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية الدائرة حاليًا، وفرضت عقوبات على الجانب الروسى، وهو ما دفع الطرف الأخير إلى الإعلان أنه يصعب الحديث عن استمرار محادثات السلام مع اليابان التي أصبحت دولة غير ودية بعد أن انضمت إلى الذين فرضوا عقوبات على موسكو، وبالتأكيد فإنه في ظل هذه الأجواء المشحونة تتحسب اليابان لمستقبل علاقاتها مع الدب الروسى، وتبعات مواقفها الراهنة على نزاع الكوريل، وما ستقدم عليه روسيا حيالها وظلالها على أمنها القومى بالمستقبل المنظور.
 
ويؤمن التيار الإصلاحي الداعم والمؤيد لتوجهات آبى أنه يحق لليابان كسر الأغلال المقيدة لها التى كانت مبررة في الماضى إبان المراحل اللاحقة للحرب العالمية الثانية، وما تلاها من نشوب الحرب الباردة بين القطبين الأمريكي والسوفيتي، وأنها حليف جدير بالثقة فيه بحكم التجارب التي خاضها سابقًا – ولا يزال ـ مع حليفه الرئيسى الولايات المتحدة والقوى المتحالفة معها، وأنها استوعبت -بما فيه الكفاية- دروس وعبر الأخطاء التي وقعت فيها بعقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، ولا توجد نية ولا حيز لتكرارها.
 
ويستند هذا التيار لحقيقة أخرى ربما لم يكن يجاهر بها علانية كثيرًا، هى أن الوجود العسكري الأمريكي بالأراضى اليابانية – ينتشر نحو ٥٠ ألف جندي أمريكي بقواعد في اليابان ـ ليس ضامنًا كفيلا بالارتكان إليه مستقبلا للذود عن الأمن القومى اليابانى، وأنه من الجائز حدوث تحولات في السياسات العسكرية الأمريكية تجعل واشنطن تغلق قواعدها باليابان وتسحب قواتها، مثلما فعلت في أفغانستان، وسبقها انسحابها من الفلبين، بما يفيد أن اليابانيين هم المنوط بهم القيام بمهمة الدفاع عن أمنهم القومي دون أن يعنى ذلك تشكيل بلادهم أي تهديد للجيران أو غيرهم، وأن الجيش اليابانى سيقوم بواجباته في حماية سيادة وأراضى
الوطن ممَن يحاولون المساس به، ولن يعتدى على أحد.
 
وأيضا دون أن يعنى ذلك التخلي عن التحالف القائم مع الولايات المتحدة، وتمثل كوريا الجنوبية ضلعه الثالث، فالإستراتيجية اليابانية إزاءه غير وارد تغييرها، لأنها مؤمنة، حتى الآن، بجدوى التحالف وتناسبه مع ما تلتزم به طوكيو من مبادئ وقيم وسياسات، وليس سرًا أن صناع القرار في العاصمة الأمريكية كانوا يتفهمون تحركات آبي ودوافعه، وموقفه الثابت من التحالف مع واشنطن، ويشعرون بارتياح للتعامل والتنسيق معه، وبلا شك فإن فقده سيكون خسارة فادحة للإصلاحيين اليابانيين ومعهم واشنطن.
 
ويتسع نطاق تلك الخسارة للتيار الإصلاحي عند النظر للوجه الآخر للعملة، إذ إن آبى علاوة على جهده الدؤوب لما يمكن تسميته بالإصلاح العسكرى الهيكلي، متمثلا في الشق الاقتصادى، حيث كان يعافر بغية انتشال الاقتصاد الياباني من موجات ركوده وتعثره الذي طال، وجعل طوكيو كما ذكرنا آنفًا تتراجع للمركز الثالث اقتصاديًا.
 
فالمرتبة الثانية كانت ثمرة عمل مضنٍ لأجيال متلاحقة من اليابانيين الذين اتخذوا قرارًا لم يحيدوا عنه بتحسين أحوالهم الاقتصادية والمالية، وأن يبنوا نموذجًا اقتصاديًا يحتذى به في الأوساط الدولية، وهو ما تحقق فعليًا، وكان آبي يعي هذه الحقيقة وحاول الخروج من الجب الاقتصادي في أثناء توليه السلطة وخارجها لما له من تأثير وقول مسموع بالحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم والحكومة التي يشكلها عند فوزه بأغلبية مقاعد البرلمان بغرفتيه، أو حين يُشكل تحالفًا مع الأحزاب الأخرى، في حالة عدم تمتعه بالأغلبية البرلمانية المريحة.
 
وكانت الآمال الكبيرة معقودة على قريحة آبى، عقب إجراء انتخابات مجلس الشيوخ في العاشر من الشهر الحالي، للخروج بمقترحات وخطط جديدة لإنعاش الاقتصاد الياباني المتعثر تحت وطأة الأزمات المتتابعة من وباء كورونا وتداعيات الأزمة الروسية-الأوكرانية، لكن الرصاص الذي اغتال آبى شكل صدمة وهزة عنيفة لهذه التوقعات، بالإضافة طبعًا لصدمة عودة الاغتيالات السياسية لليابان، والثغرات الأمنية التي مكنت القاتل من تنفيذ جريمته الشنعاء في ثوان معدودة، غير أن الصدمة الحقيقية والأكبر كانت للتيار الإصلاحي الذي سيتعين عليه البحث عن قيادة بمقدورها سد الفراغ الناتج عن اختفاء آبي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الوحش الأفغاني

بين جبال أفغانستان الشاهقة يختبئ مقاتلو تنظيم داعش خراسان الذى أعلن مسئوليته الشهر الماضي عن العملية الإرهابية التي استهدفت مركزًا للتسويق قرب العاصمة