Close ad
11-7-2022 | 13:09

مع محاولة تخطي جائحة كورونا وتبعاتها التي ضربت الاقتصاد العالمي؛ بدأ العالم سباق التعافي منها؛ من خلال تقديم حزم الدعم المادي؛ بالتوازي مع الإتيان بخطوات سريعة من أجل تحصين المواطنين  بمختلف اللُقاحات المضادة للفيروس؛ لاستعادة الاتزان المجتمعي وتحفيز وتيرة دوران الاقتصاد في أسرع وقت ممكن، وفي هذا السباق المحموم الذي تشترك فيه دول العالم جمعاء، تقف أوروبا حائرة وعاجزة في موقف لا يتناسب مع أنها إحدى القوى الاقتصادية في العالم.

في بداية الجائحة قدمت دول الاتحاد الأوروبي حزماً اقتصادية ساهمت في صمود شركاتها، بل وتفوقت في مقدار هذه الحزم على دول مثل الولايات المتحدة واليابان، إلا أنها ومنذ نهاية العام الماضي عجزت عن تقديم الدعم الذي يمكّن اقتصادها من عدم الانزلاق في دوامة الكساد؛ حيث استطاع
الاتحاد الأوروبي بالكاد تقديم دعم بنسبة أقل من واحد في المائة من ناتجه القومي، وحتى هذه النسبة الضئيلة لا تزال مُهددة وقيد التداول؛ مما أدى  لخسارة الملايين لوظائفهم مع ازدياد كبير في معدلات البطالة خاصة في إسبانيا وألمانيا.

ولم تكن أوروبا في موضع قوة حتى قبل الجائحة؛ فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أثر عليها بشكل سلبي، كما أن بروز الصين كقوة اقتصادية هددها بشكل مباشر، وحتى حليفتها أمريكا لم تكن في صفها مع الحرب الاقتصادية إبان حقبة ترامب.

أوروبا اليوم قارّة عجوز، ليس لأنها قارة قديمة فحسب؛ بل لأنها قارة مُنهكة ولا تبدو قادرة على النهوض بنفسها اقتصادياً، وقطاع الخدمات فيها - وهو من أقوى قطاعاتها - لا يُدعَم اقتصادياً بما فيه الكفاية للاستمرار والمنافسة، وقد تتمكن شركات غير أوروبية من الاستيلاء على هذه السوق.

وجاءت ثاني اللطمات على وجه القارة العجوز مُتمثلة في الحرب الروسية-الأوكرانية؛ حيث وضعت العقوبات الغربية - ضد روسيا - أوروبا تحت ضغوط اقتصادية تاريخية من حيث التضخم وزيادة الأسعار والطاقة، كما التهمت الحرب ميزانية الاتحاد الأوروبي، على الرغم من الدعم والميزانية التي خصصتها المفوضية الأوروبية للاتحاد في إطار برنامج الجيل القادم؛ من أجل دعم الانتعاش الاقتصادي والنمو في أعقاب جائحة "كورونا" والحرب في أوكرانيا؛ تلك الأخيرة التي قلبت حسابات القارة العجوز رأساً على عقب، فالسرعة التي يحرق بها الاتحاد الأوروبي الاحتياطيات النقدية لتغطية نفقات "كييف" هي مصدر قلق بالنسبة إلى كل دول الغرب؛ مما يُعد مؤشراً  لجرجرة القارة نحو كارثة اقتصادية وجيوسياسية؛ من خلال سياسة العقوبات التي لا يريد أحد الالتزام بها خارج الغرب، وهو ماي عني أن تكلفة العقوبات على روسيا ستتلاشى على خلاف ما ينتظر بقية العالم، كما أنها تأتي بنتائج عكسية على أوروبا مع فشل ذريع في تغيير سلوك موسكو.

إن العالم يشهد أزمة غير مسبوقة والعقوبات يدفع ثمنها الأوروبيون قبل الروس وتداعياتها ستكون كارثية، ومن المتوقع أن تسود اضطرابات واسعة حال طال أمد الحرب؛ وهو ما يُدَلل عليه بوضع الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"؛ فقد كان أول ضحايا الحرب عندما خسر أغلبيته في البرلمان، حيث عبّر الفرنسيون عن قلقهم حيال تباطؤ العجلة الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع الغذائية وموارد الطاقة بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية، تلاه رئيس الوزراء البريطاني وحكومته التي عانت من  انتكاسات واسعة وفضائح؛ حيث  يواجه البريطانيون في الآونة الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق في تكاليف المعيشة، ما زاد الضغط على الحكومة التي لم تتمكن من فعل المزيد لتخفيف الأعباء المعيشية مع تراجع الجنيه الإسترليني إلى مستويات تاريخية!

ولم تنجو ألمانيا أيضا؛ وتجلت أزمتها في نقص الغاز ؛ مما يًعد خطراً كبيراً لاقتصاد صناعي كبير وتهديداً لعجلة الحياة اليومية لمواطنيها.

الخُلاصة أوروبا الساطعة، الباطشة، القوية، الثرية والتي كانت تتسيد العالم، ضَعفت وهَرِمت؛ عاشت تستمد قوتها من المنظومة الكولونيالية، وتقتات على موارد مُستعمراتها في جميع أنحاء العالم، أما اليوم وبعد زوال تلك الحُقبة وأمام أول الاختبارات الحقيقية، أجمع العالم على زوال تأثير وقوة تلك القارة العجوز.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: "نظرة على الانتخابات الفرنسية"

منافسة قوية ومواجهة ساخنة بين إيمانويل ماكرون ومنافسته في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان ، اتخذت المواجهة طابعًا إعلاميًا قويًا

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية

د. شيرين الملواني تكتب: "عن رُهاب الشعوب"

إذا ما صادف مواطن فرنسي آخر ألمانيًا في شوارع باريس، ستجد عدم ترحاب وتحفز بين الطرفين عند التعامل فيما بينهما، أما إذا تحاورت مع فرنسي سياسيًا وذُكر لفظ ألمانيا أمامه؛ فلن تشهد سوى الامتعاض على وجهه