Close ad

"كيرة والجن"..عندما تستيقظ السينما فجأة!

9-7-2022 | 07:17

بعيدًا عن المقارنات بين ما قدمته السينما المصرية منذ نشأتها عن ثورة 1919، سواء وقائع في أفلام تسجيلية، أو مشاهد كتلك التي تضمنتها بعض أعمال أديبنا الكبير نجيب محفوظ، ومنها الثلاثية، أو فيلم مصطفى كامل ليوسف جوهر، أو سيد ردويش عن قصة محمد مصطفى سامي، أو حتى الأفلام التي بنيت على فكرة محاربة الاستعمار ومنها فيلم "في بيتنا رجل" لأديبنا إحسان عبدالقدوس، وغيرها، يمكن القول بأن تقديم فيلم عن تلك المرحلة وهو "كيرة والجن" المقتبس عن رواية "1919" للمؤلف أحمد مراد، يعد مغامرة تحسب لصانعيه.
 
 قد يرى البعض أن هناك تدويرًا للفكرة التي سبق أن تناولتها السينما في مشاهد سابقة أو التي طرحت في أعمال تليفزيونية كثيرة جدًا، حيث ماستر سين وعمود فقري الحكاية يكمن في "المقاومة"، والمفردات هي نفسها التي يعرفها حتى تلاميذ المدارس ممن قرأوا عن حادثة دنشواي، ولكن كل ما سبق لا يعد مستندًا للتقليل من أهمية هذا الفيلم الذي أعتبره واحدًا من أهم التجارب التي قدمت خلال السنوات الماضية.
 
"كيرة والجن" اسم تجاري لفيلم نجح مخرجه مروان وحيد حامد في أن يبني لكل شخصية عالمها القائم بذاته، لم يكن همه ثورة 1919، ولا ماذا حدث فيها، ولا توابع تلك الثورة، بقدر بناء سينمائي ممتع، استغل فيه ما جاء مكتوبًا على تترات الفيلم بأنه ليس وثيقة تاريخية، ولا يعتد به كبناء للتاريخ الذي مرت به مصر.
 
رواية 1919 حافلة بالأحداث، وبالطبع الخط المهم جدًا فيها هو ما خدم صاحبه وهو "عبدالقادر شحاتة الجن" الذي جسد شخصيته أحمد عز، ودولت فهمي التي قدمتها هند صبري، ولكن بناء السيناريو راح بنا إلى تلك النقطة التي انطلقت منها الأحداث لتصنع فيلمًا ممتعًا جدًا، إخراجًا وتمثيلًا، وهنا أود أن ينسى كثيرون المقارنات بين فيلم يأتي في ظروف أسميها "عجز سينمائي" حيث ننتج عشرة أفلام بالكاد في العام، ومعظمها كوميدي فقط.
لأن فيلم مثل "كيرة والجن"يحسب لمن أنتج ومن أخرج ومن شارك في تمثيله ولو بمشاهد معدودة، لسنا في هوليوود حتى نعقد المقارنات، ونقلل من أهمية التجربة.
 
"كيرة والجن" فيلم ينطلق من فكرة مقاومة الإنجليز بعد حادثة دنشواي، حيث إعدام عبدالحي كيرة والدة "كريم عبدالعزيز" في الأحداث وهو طفل يشاهد حفل المشنقة التي نصبت في الحقول ليتعظ ويصاب الجميع بالرعب، يكمل أحمد عبدالحميد كيرة دراسته للطب، يعمل في مستشفيات يتهم بأنه خادم للإنجليز، في فترة انتشار وباء راحت ضحيته زوجته، وبقي ابنه الصغير على قيد الحياة، يناضل للانتقام لشنق والده، ينضم للمقاومة وبها "دولت فهمي" المدرسة الصعيدية القبطية "هند صبري"، و"سيد رجب" مجسدًا "إبراهيم الهلباوى" نكتشف أنه خائن في نهاية الأحداث، ثم "أحمد مالك" إبراهيم "ومحمد عبدالعظيم" نعيم، ثم علي قاسم "راغب"، وفي خط آخر يأتي بطل الرواية عبدالقادر شحاتة الجن، الذي جسده ببراعة أحمد عز، من شاب فاسد سكير ومدمن مخدرات يتحول بعد قتل الإنجليز والده "أحمد كمال" إلى مناضل.
 
تتلاقى الخطوط جميعها ليقدم لنا مروان حامد صورة سينمائية مزج فيها بين التاريخ وبين رؤية درامية يمكن أن نعتبرها مطلوبة جدًا في هذا التوقيت لهذا الجيل الذي لا يعرف الكثير عن ثورة 1919، أو المقاومة، وقد تكون باعثًا لقرءاتهم لتاريخنا المعاصر.
 
كريم عبدالعزيز قدم شخصية الدكتور أحمد عبدالحي كيرة بحب وفهم لصعوبة الشخصية التي تطلبت مشاعر متباينة كمناضل ينتظر لحظة الانتقام لوالده، ومتهم في عيون حتى زوجته روبي "زينب" بأنه يعمل مع الإنجليز.
 
أحمد عز واضح من خلال أدائه أنه قرأ الرواية وفهم طبيعة الدور؛ لأنه في الرواية يعد الخط الأهم، وعلاقته بوالده أحمد كمال، وروبي، وكيرة، والإنجليز كلها خطوط فهمها جيدًا، ومن ثم يعد الفيلم تجربة مهمة جدًا له.
 
أما هند صبري وهي الأكثر بريقًا وإبهارًا فجسدت شخصية "دولت فهمي" القبطية، المناضلة التي أتت من الصعيد كرمز بأن كل مصر كانت تناضل ضد المستعمر، ورمز لتضافر طرفي الأمة "الهلال مع الصليب".. برغم انفعالاتها الزائدة في بعض المشاهد كانت رائعة..
 الرائع هنا أحمد عبدالله محمود في شخصية "عربي التروماي" البلطجي إضافة مهمة له وللفيلم، وأحمد مالك ممثل يحمل الكثير من مواصفات النجم العالمي، كريم محمود عبدالعزيز في دور الرواي وظهور مهم في النهاية، سلوى عثمان، هدى المفتي، رشدي الشامي، سلوى محمد علي، إياد نصار، لارا إسكندر، مونتاج أحمد حافظ، ديكورات باسل حسام، والمبدع مدير التصوير أحمد المرسي، والسيمفونية الرائعة موسيقى هشام نزيه.
 
فيلم "كيرة والجن" يحسب لتامر مرسي، وأحمد بدوي والمتحدة، إضافة للسينما برغم بعض ما يؤخذ على سعي المخرج مروان حامد لتغليب صفة التجارية ومشاهد الأكشن التي كان بالإمكان حذفها، والنهاية المبالغ فيها، إلا أننا أمام تجربة مهمة جدًا.

كلمات البحث