Close ad

هل انهيار الدولار حتمي؟

2-7-2022 | 12:05

سؤال له إجابة مؤلمة واقعية، وإجابة أخرى حالمة ومريحة.. فالحتمية الافتراضية لانهيار الدولار أتت من وجود أسبابه وحدوث بداياته وإرهاصاته.. والسؤال الأهم هنا هو كيف سيتصرف العالَم وقتذاك؟ إن أغلب اقتصاديات دول العالم مربوطة، ذيلاً وغُرة، بالعملة الأمريكية. وإذا ما انهارت فسينهاروا معها، إلا مَن أدركَ الأزمة وتصرف معها مبكراً.
 
ثمة أمثلة حالية لدول تحاول الفكاك من أسر الدولار، في مقدمتها الصين وروسيا، خاصةً تلك التي لا تعتمد في اقتصادياتها على النفط المرتبط بالدولار ارتباطاً كاثوليكياً لا فكاك منه.
 
وإذا حدث الانهيار الدولاري فلن يكون اليورو أو غيره من العملات العالمية أوفر حظاً منه؛ فكلها عملات تتناغم فيما بينها على وقع النظام الرأسمالي؛ سواء كان أوروبياً أو غربياً، إنه انهيار كارثي لو حدث، والأدهى أنه وشيك الحدوث في ظل صراع أمريكى آسيوى لا يبدو مبشراً.
 
ماذا عن الرأسماليين من دول العالم الثالث؟ إن عليهم أن يتوقعوا الأسوأ. إنهم أكبر الخاسرين وأعظمهم حينئذ؛لأن بلايينهم حينها لن تساوي ثمن الورق الذي طبعت به، ولنا في ذلك نماذج عدة بسيريلانكا ولبنان وغيرها من البلدان التي شهدت انهيارات ضخمة في قيمة عملتها.!!
 
كل هذا في كفة ومصير الاتحاد الأمريكي في كفة أخرى. فما الذي يمكن أن يحدث إذا ما عصفت الأزمة الدولارية بالولايات المتحدة الأمريكية؟ هل ستتفكك أمريكا؟ إنها دولة لا مركزية تكاد كل ولاية بها أن تغدو دولة قائمة بذاتها. وبها أكبر تشكيلة سكانية تضم أغرب وأكثر أجناس الأرض، فهل هؤلاء سيمثلون بواكِى أمريكا ومنقذيها إذا حدثت الكارثة، أم سيكونون أول الهاربين؟
 
يرى الروس من جهتهم أن عصر الهيمنة الأمريكية ولَّى إلى غير رجعة، وأن العالم مُقدم على نظام متعدد القوى، لكنهم غير واضحين بشأن الموقف من النظام الرأسمالي ذاته فيما إذا كان من الممكن استمراره على نفس الوتيرة أم أنه بحاجة إلى إصلاح أو إلغاء على طريقة تدخل الدولة مثلا.. 
 
والصينيون يراقبون الأزمة وكأنها لن تمسهم، رغم خشيتهم من انهيارات الاستثمارات الرأسمالية. فكيف سيعوض الصينيون خسارتهم إذا ما انهارت الرساميل والاستثمارات الأجنبية؟ وأين سيجدون من يشتري سلعهم الرخيصة التي خلقت اقتصادا عالميا ثالثا لن يعود بمتناول الفقراء الذين لم يعد لديهم ما ينفقونه حتى على أرخص السلع وأقلها جودة؟
 
الإرث الأمريكي.. وتقاسم كعكة الدولار
ما من حرب عالمية فتاكة إلا وكانت الرأسمالية مصدرها والغرب مسرحا لها وسقوط القطبية الأحادية بات مسألة وقت.. بالقطع ليست الولايات المتحدة فوق الانهيار، ومن يقع في ظنه أنها محصنة أو معصومة فهو يصر على العيش في كوكب آخر وخارج حسابات التاريخ والزمن. 
 
والمتفائلون بأمريكا ومستقبلها القادم يؤكدون أن المؤسسات الأمريكية، بل والشعب نفسه هم خطوط دفاع لا يمكن اختراقها أو التشكيك في قدرتهم جميعاً على تخطيها وعلى تجاوز أية أزمة، اقتصادية كانت أو سياسية أو عسكرية.. ويبدو أن هؤلاء لا يجيدون قراءة مَشاهد التفكك الاجتماعي وما وراءها من مغزى، منذ حركة احتلوا وول ستريت، مروراً بحركة حياة السود مهمة، واقتحام الكونجرس وانتهاء بنشوء حركات اليمين المتطرف المسلح بأحدث المدافع والقنابل وتقنيات حرب العصابات! 
 
السؤال المهم والمحوري ليس عن الانهيار ذاته، ولا عن توقيته أو موعده ولا حتى عن تداعياته. بل الأهم من ذلك كله الاستعداد لحدوثه والتأهب للتداعيات الكارثية التي ستنبثق وتتوالَى كقطع شطرنج أو ليجو ينهار معه الهيكل المتداعِى العابر للقارات، فإذا بنا إزاء مشهد هوليودي يتحرك من دولة لدولة ومعه تنهار اقتصاديات أفراد ومؤسسات ودول بأكملها.
 
ليست أمريكا كالاتحاد السوفيتي، وليس انهيار الرأسمالية إذا حدث كانهيار الماركسية.. إذ لا شك أن الفارق أو الفالق المزلزل بين انهيارها والاتحاد السوفيتي ضخم؛ فالاتحاد السوفيتي سابقاً كأحد قطبين يديران شئون العالَم دولة عظمى كانت كمركز ضخم تدور في فلكه بقية دول الاتحاد، فكان من السهل أن ترث روسيا هذه الدولة بدعم عالمي واعتراف غير منقوص. وبالتالي أمكن استيعاب الاتحاد السوفيتي عسكريا واقتصاديا بسلاسة ورقّة منقطعة النظير في إطار النظام الدولي القائم بكل ما يشتمل عليه من مؤسسات وعلاقات قوة.. بينما الولايات المتحدة دولة ذات تأثير كوكبي، وسيؤدي انهيار اقتصادها لامتداد ألسنة اللهب في كل ربوع الأرض.
 
ثم إن أمريكا دولة لقيطة حديثة لا جذور لها. فليس لها عمق تاريخى ولا حضارة متصلة ولا قومية مستقلة. كما أنها لا تتمتع بأي أمان جغرافي كما كان الحال بالنسبة للاتحاد السوفيتي؛ حيث مثلت روسيا عمقه الجغرافي والحضاري الآمن منذ فجر التاريخ.
 
إن أغلب مفكري العالَم وفلاسفته ومنظريه السياسيين يتحدثون اليوم عن انهيار اقتصادي أمريكي وشيك. لكن قلما يتحدثون عن تداعيات مثل هذا الانهيار أو ضرورة الاستعداد له. وكأن الولايات المتحدة هي بريطانيا أو اليابان أو الصين! وأن انهيار أمريكا سيضرها وحدها.
 
ثم نقطة ومن أول السطر! إننا نطرح السؤال المصيري في ضوء خضوع الجميع للهيمنة والنفوذ الأمريكيين خارج الاتحاد وخارج القارة. فثمة جيوش جرارة في شتى بقاع الأرض ابتداء من القوى العسكرية المدمرة ومرورا بالجواسيس وقوى الضغط وانتهاء بالمرتزقة، وثمة اقتصاد أمريكي في الخارج، ولأنه لا وجود لوريث شرعي فسيكون حتما ثمة طامعون بالوراثة.. فإلى مَن تؤول الثروة التي قد تتفتت وتتناثر وتبحث عمن يلم شعثها وشراذمها وشواظها.
 
هذا نذير خطر قادم غدًا أو بعد غد، ورسالة لمن يهمه الأمر..
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة