راديو الاهرام

في ثقافة الطين (2 ـ 3)

28-6-2022 | 14:17

يعرف كثير من المصريين الطوب اللبن الذي أقيمت به بيوت أجدادنا في القرى، إنه طوب من طين الأرض التي كانوا يقفون عليها.. رأيناه يُترك ليجف في الشمس، بعد أن يضاف إليه شيء من التبن، ثم تبدأ إقامة الحوائط.. يرى معظمنا الآن أنها كانت بيوت الفلاحين الفقراء.. 

 
وكان هذا صحيحًا.. الأغنياء فقط هم من كانوا يبنون بالأحجار وبمواد أخرى.. ثم كان تطلع الفقراء إلى الحياة بالمثل.. وأضحى بيت الطوب الني عارًا اجتماعيًا، وتخلفًا وبدائية، وجاء علينا زمانٌ رأينا أصحابه يهدمونه، ويشيدون بيوت الطوب الأحمر والحديد والأسمنت.. 
 
ولم يعد الريف الذي نعرفه، وإنما بيوت مكدسة مشوهة فوق الأرض الزراعية، مرتفعة أحيانًا، ويغيب عنها في معظم الأحيان أي لمسة جمالية، محلية أو بيئية، والأسوأ أن الأمر انتقل إلى الصحراء مع أن الأنسب للمعيشة هي البيوت المعتمدة على مواد بناء من الطبيعة، مثل تجربة قرية القرنة الجديدة التي شيدها المهندس حسن فتحي في أربعينيات القرن الماضي في الأقصر. 
 
رغم ذلك فإن كثيرين استطاعوا الدفاع عن ثقافة البناء بالطين.. والمثير للدهشة أنهم من كبار المعماريين الذين تلقوا تعليمًا هندسيًا في أهم الجامعات في العالم، ووجدوا ضالتهم فيمن يطلب منهم، من المثقفين والأثرياء، أن يبنوا لهم بيوتًا من الطين، حدث ذلك في مصر وفي السعودية وفي غيرهما من دول العالم.
 
والعودة إلى الطين بلورت رسالة معماريين مصريين كبار مثل الدكاترة حسن فتحي ورمسيس ويصا واصف وعبدالواحد الوكيل وصالح لمعي وعادل فهمي؛ ممن عرفت أو سمعت وقرأت عنهم.
 
وظني أن البداية كانت مع حسن فتحي الذي بنى في النوبة ثم الأقصر ثم انطلق إلى العالم ليبني في مدن عدة، ربما وجد حسن فتحي في نمط البناء النوبي الحل المعماري المدهش الذي يحقق للفلاح الفقير حلم الحياة في بيت، بتكلفة منخفضة، بيت واسع ومريح وجميل؛ حوائط متينة وسقوف غير مكلفة؛ لأنها بالقباب من نفس خامة الحوائط، وليس الخشب، وربما ظل مبهورًا بهذا النمط ليحققه بعد ذلك في أماكن عدة، من بينها القرنة الجديدة بالأقصر، كما ذكرت، والتي تجري مراحل ترميمها وإعادة إحيائها حاليًا، ويذكر المعماريون لحسن فتحي أيضًا القرية التي شيدها بأسلوبه الفريد في مدينة باريس بالوادي الجديد، وفي قرية تونس بالفيوم. 
 
بينما لحق به رمسيس ويصا واصف الذي أبدع في الحرانية في الجيزة وجعل الأهالي يبنون المركز الذي أسسه هناك بقوالب الطين المجفف، وقد استعان بحسن فتحي الذي وفر له معلمين في الحرفة من أسوان والصعيد.
 
الذي حدث والذي أفهمه أن هؤلاء المعماريين الكبار لا يريدون استعادة الفقر، وإنما محاربته عن طريق الإقلال من البذخ المعماري المكلف، والملوث للبيئة في آن، وإعادة نمط بناء في البيوت والعمران كان سائدًا، ليس هو نفسه بالضبط، ولكن تطويره ورفع كفاءته، واعتماده كحياة ليست تراثية أو متحفية، وإنما في الأماكن التي تتطلب البناء على نفس الأسلوب، ومن غير المنطقي والإنساني أن تجد عمارات شاهقة وسط أماكن زراعية، وكذلك ليس مطلوبًا أن نبني بيوتًا من الطين وسط ناطحات سحاب. 
 
قطعا هي ليست حربًا بين بيوت الطوب الأحمر والأسمنت، وبيوت الطوب القديم، إنما التعايش.. ليس مطلوبًا الارتداد إلى ثقافة البناء بالطين وإلغاء البيوت الحديثة والعمارات الشاهقة لأسباب ثقافية، ولكن تبقى دائمًا إمكانية المزج، فما يصح بناؤه بالطين يجب أن يكون كذلك.. وما يصح بناؤه بأساليب العمارة الحديثة له مواقعه المناسبة، مع التطوير الدائم المستمر لكليهما من أجل الإنسان والبيئة التي يعيش فيها، ومن أجل منع إرهاق البيئة والإنسان. 
 
والمثير للإعجاب وأنت في أماكن توجد فيها البيوت الطينية الآن، مثلما رأيت في قرية "توفيق" في منطقة "منى عيني" في محيط كفر حكيم بالجيزة، لا تستطيع أن تميز كثيرًا بين بيوت الحجارة وبيوت الطين الجديدة، لأنها ليست هي نفسها الطوبة التي كانت تساقط الأتربة، إنما تطورت. 
 
وقادني إلى القراءة والتوسع في محاولة الاطلاع على عمارة وثقافة الطين زيارتي لمزرعة نخيل وبيت العذيبات التي يملكها ويعيش فيها سمو الأمير سلطان بن سلمان، بينما انتهيت أخيرًا من قراءة كتاب "العودة إلى الأرض.. البناء بالطين في المملكة العربية السعودية" لمؤلفه الإنجليزي وليم فيسي الذي يحكي ملحمة المزرعة والبيت بالتفصيل. 
 
ولفت نظري الدور الكبير الذي لعبه الأستاذان عبدالواحد الوكيل وصالح لمعي، وإذ يتأمل د.الوكيل ما حدث عندما جاءته "فرصة عظيمة"؛ حيث دعاه سمو الأمير سلطان بن سلمان، أثناء وجوده في لندن في أواسط الثمانينات، "لبناء بيته في الرياض، حيث وجدتها فرصة عظيمة لتطبيق أسلوبي"، وانضم إليه في العذيبات د.صالح لمعي، وبينما كان الهدف ترميم بيت مزرعة العذيبات القديم، لكن الرحلة اتخذت مسارًا مختلفًا هو مسار استكشاف الذات، وإذا خرجنا من "تأملات" الوكيل إلى "المشروع" عند صالح لمعي فإنه رأى فيه نموذجًا لتهيئة وتطوير البناء بالطوب اللبن.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
محمد الشاذلي يكتب: في ذكرى صفر المونديال

يبدو أن النسيان ليس آفة حارتنا فقط -كما قال نجيب محفوظ- وإنما تكرار النسيان يعد مأساة كبرى لا يمكن أن تمر من دون خطر حقيقي.

محمد الشاذلي يكتب: مجدي يعقوب.. يد الملاكم وقفاز الحرير (2 -2)

ونجح فريق طبي بريطاني بقيادته في تطوير صمام للقلب باستخدام الخلايا الجذعية، ويأمل د.مجدي أنه في خلال عشرة أعوام سيتم التوصل إلى زراعة قلب كامل باستخدام الخلايا الجذعية

محمد الشاذلي يكتب: مجدي يعقوب.. يد الملاكم وقفاز الحرير (1 -2)

الدكتور مجدي يعقوب أيقونة مصر الطبية في العالم ولا أعرف لماذا تتجاهله جائزة نوبل في الطب رغم اكتشافاته العلمية في تطوير جراحات القلب.. وتُطرح تساؤلات عدة لمعرفة السبب

خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة