Close ad
27-6-2022 | 12:11

كلما طالعت السوشيال ميديا اليوم وراقبت الترند، وقرأت التعليقات وحصرت عدد المنشورات التي تفاعلت مع خبر تافه أو موقف أتفه ظل متداولًا لأيام؛ يصيبني إحباط شديد وأغلق جهازي وألعن التفاهة التي نحيا بها ومعها.
 
عزيزي القارئ أنا لا أشتم أو أسُب؛ لكون البلاهة والتفاهة هنا توصيفًا دقيقًا لحالة عقول تم تناولها تأويلًا وتحليلًا في عشرينيات وحتى بداية ستينيات القرن الماضي؛ كان مفهوم التافه السطحي هو ذلك الفاشل في تفسير وتقدير ما هو جاد وهادف؛ إما لضعف عنده في قدرته على فهم ما هو رصين أو علمي، أو لعدم رغبته في البحث والتمحيص للكشف والتفسير بطريقة أكاديمية أو علمية.
 
 أما بُلهاء وتوافه هذا العصر فهم هؤلاء متخصصو تحويل الأمور الجادة إلى حالة من التفاهة والسطحية ليس إلا، وهم من ينظرون لحدثٍ مهم من زاوية ضيقة ويفسرونه من منظور ضيق؛ ساعد على ظهور تلك الفئة تواجد السوشيال ميديا والأجهزة الذكية بين يدي الغالبية العظمى من الشباب، وبعض أنصاف المثقفين المُنبهرين بها؛ حيث يَستلذون بلعب دور المثقف والباحث الأكاديمي الجاد!! حجتهم في ذلك أن الرأي الشعبي قد ظهر وسيطر وأخذ مساحته، وصار له منبره على طريقة الإعلام الجماهيري الشعبوي؛ أي أنهم قد عثروا في النهاية على منبر لمن لا منبر له.
 
لكن مشكلة السطحية على السوشيال ميديا الآن، أنها ليست نسخة تالفة من واقع جاد - كما ذكرنا في الحقبة الثقافية المصرية السالفة - بل يمكن تشبيهها بموجة الشبان الوجوديين في فرنسا، بعد تحول الفلسفة «السارترية» إلى موضة اختُصِرت حينها في شكل اللباس؛ من خلال أزياء بالية لا قيمة لها، وشكل الشعر، وانفلات تام في السلوك الذي لا يعبر بتاتًا عن فلسفة سارتر الوجودية - بكل نسخها الدينية - واليوم وبنظرة بسيطة على السوشيال ميديا نجد أنها اكتسحت كل هؤلاء في التفاهة، بل يحق لنا تصنيفها منبرًا للسطحية والهرج.
 
ونحن هنا بصدد تفسير شيوع الأخبار السطحية التي تعتلي الترند أو نحن نحاول أن نفسر ظاهرة "التيك توك"، ذلك الهوس المرضي لمتابعيه وناشريه؛ فوجدت من وجهة نظري أن تلك الظاهرة تفشت بسبب انهيار الأساسات التي يقوم عليها التفكير العلمي المنطقي؛ مثل رفض الخرافة والبحث عن الأسباب الحقيقية للظواهر بدلًا من نسبتها للجن والشياطين وعلوم الطاقة - والتي أغلبها بلا أسس علمية-، هذا فضلًا عن تفتت أو إهمال المراجع الأصيلة التي كان لا غنى عن الرجوع إليها في أمر يُراد بحثه، بالإضافة إلى ذلك محاولة كل شخص شبه مُثقف أن يعطي ذاته عمقًا أكثر مما يستحقه في عالمه الافتراضي؛ شعور مُشبع لذات ناقصة، كل هذا دعمته سرعة التقنية والتكنولوجيا والسماوات المفتوحة. 
 
السوشيال ميديا ساهمت في تمييع الحدود بين العلم والفن والدين والسياسة من ناحية، والتجربة والخبرة الشخصية من الناحية الأخرى، وقد انقسم مريدوها المتفاوتين بين التعمق والسطحية إلى قسمين: الأول أشخاص يجيدون التثقيف والحديث ولهم مسارهم العلمي أحيانًا أو أقل القليل منه، والذي يمكن أن يكون مفيدًا إلى حد ما، وذلك لأن معظم من يستخدمون السوشيال ميديا من الشباب ثقافتهم ضَحلة، ويمكن أن يتجاوبوا مع هذا الاتجاه، والذي ربما يكون مفيدًا لهم في إثارة قضايا مهمة، بل ويمكن من خلال حوار مثل هذا أن يبدأوا رحلتهم نحو تفكير منطقي وعلمي بالبحث واتساع الأفق، والفئة الأخرى نجوم السطحية والبلاهة والتفاهة الصاعدين على هذه المنابر طارحين أنفسهم كمؤسسين وقدوات للأجيال الحالية والأجيال التي ستأتي لاحقًا بعد زمن! خاصة من يتبارى لنوال لقب بلوجر!!، هؤلاء يظهرون بصورة فجائية بلا أساس، وينتعشون بالحديث في إشاعة التوافه وينتصرون لأنفسهم بكثرة المتابعين وبعدد اللايكات؛ وهو ما أفرخ مجتمع ميديا لا يتصف بحسن الخلق، ويتبارى في إلقاء الشتائم ويتفنن في التنمر، بل تتسع حلقة السطحية فيه تحت مسمى حرية الرأي الشعبوية؛ فتطل منه الفضيلة، ويكثر فيه الوعاظ الداعون للأمر بالمعروف والناهون عن المنكر - منكرهم هم من وجهة نظرهم - بل نجد أبواق التكفير تعلو بالتوازي مع توزيع صكوك الغفران !!
 
واللافت إذا ما ركزت مع آراء هؤلاء البلهاء، وتابعت تعليقاتهم على مقال أو منشور علمي أو ثقافي؛ سيتكشف لك بمنتهى الوضوح مدى جهلهم، بل يمكن اعتباره جهلًا وتجهيلًا مُنظمًا؛ فقد صارت السوشيال ميديا بديلًا للمراجع والوثائق والأصول العلمية والدينية الحقيقية ومفهوم التطور لهم، وهذه ظاهرة لا يمكن تشخيصها، إلا بوصفها بـ«السطحية والبلاهة».
 
هذه هي السوشيال ميديا التي لا ترتبط بمعنى، ولا تحقق غرضًا إنما حوارات حول موضوع يعلقون عليه بلا عودة لمراجع أو مفاهيم صحيحة، بل كل شخص يعبر عن ذاته بما يحبه وما يكرهه في سطحية شديدة، والواجب علينا جميعًا أن نؤسس لوعي يجعل لهذا الهرج حدودًا؛ لأن شيوع التفاهة يفرغ كل عمق في هذا العالم، ولأن الجمال والرقي بكل مجالاته الفنية والأدبية واللغوية لا يمكن أن يأتي إلا عن طريق جذور تُسقى بالعلم والاطلاع والفهم، لكن أن يتصدر كل شخص جاهل سطحي لإصدار النتائج والحقائق، وأن يضع نفسه خبيرًا وملهمًا وأساسًا فهذه مصيبة كبرى، تدمر كل الجماليات التي بين أيدينا، إنه انحطاط وانهيار وجنون، وتدمير بكل ما حققه الإنسان من أدب وثقافة وعلم ولاهوت وفقه.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: "نظرة على الانتخابات الفرنسية"

منافسة قوية ومواجهة ساخنة بين إيمانويل ماكرون ومنافسته في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان ، اتخذت المواجهة طابعًا إعلاميًا قويًا

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية

د. شيرين الملواني تكتب: "عن رُهاب الشعوب"

إذا ما صادف مواطن فرنسي آخر ألمانيًا في شوارع باريس، ستجد عدم ترحاب وتحفز بين الطرفين عند التعامل فيما بينهما، أما إذا تحاورت مع فرنسي سياسيًا وذُكر لفظ ألمانيا أمامه؛ فلن تشهد سوى الامتعاض على وجهه