راديو الاهرام

لندن – شآبيب - كيجالي

26-6-2022 | 16:48
الأهرام المسائي نقلاً عن

الخيال يقود العلم. عاش عباس بن فرناس (810 – 878 م) يحلم بالطيران، وطغت محاولته التحليق بجناحين قرب قصر الرصافة ببغداد على أشهر أعماله واختراعاته؛ الساعة الميقاتية، والزجاج الشفاف، والنظارات، وغيرها، فضلاً عن كونه شاعر.

وعبر ليوناردو دافنشي عن شغفه بالطيران في شكل رسوم تخطيطية حاكى فيها الطيور شكلاً، والخيال موضوعًا، إلى جانب تصميمات عديدة لمعدات وأجهزة ذات أغراض مختلفة.

مع تطور فنون الأدب، تحول الخيال إلى نصوص مكتوبة على يد أدباء من قبيل جول فيرن، دوجلاس آدمز، إسحاق آسيموف، وجيمس أوليفر.

في حديث تليفزيوني، ذكر الدكتور فاروق الباز أنه بعد نجاح وكالة ناسا الأمريكية في إطلاق مركبة الفضاء أبوللو، عُقدت جلسات استماع منفردة لأعضاء فريق التصميم، اكتشفت على إثرها تأثر أغلب اعضاء الفريق بما قرأوه في الصغر من قصص الخيال العلمي مثل، رواية "من الأرض إلى القمر" لجول فيرن، ورواية "آلة الزمن" لهيربرت ويلز. بمعنى آخر؛ استحضروا الخيال وجسدوه واقعاً.

لا يتوقف الخيال على الابتكارات العلمية فقط، فما صاغه الايرلندي الأصل، الهندي المولد، البريطاني الجنسية، جورج أورويل في روايتيه "مزرعة الحيوان" و "1984" لم يكن سوى استشراف لعوالم ديكتاتورية يسيطر عليها الأخ الأكبر من لحظة الميلاد حتى عتبة القبر. عندما تقرأه للمرة الأولي تظن أن أورويل أطلق العنان لقلمه دون حساب، لكن ها هي الأيام تُثبت صحة رؤيته بعد ما تحولت عوالم التكنولوجيا الرحبة إلى أخ أكبر يحكم من خلف ستار.

عندما أصدر الراحل أحمد خالد توفيق روايته "شآبيب"، رأيتها أقرب للفنتازيا منها إلى الواقع، رغم أعجابي الشديد ببنائها الفني وحبكة أحداثها؛ تسيطر على مكرم، الأستاذ الجامعي بهارفارد، فكرة جمع عرب المهاجرين في بلد واحد يصنعونه بأحلامهم، ويسكبون فيه كل ما أتقنوه من فنون الحضارة، وينسون فيه آلام الاضطهاد والعنصرية.

اخترع مكرم -مُستعينًا بالآلة الإعلامية الأمريكية الهائلة- شآبيب ليحقق حلمه، جعل منها أرض ميعاد للعرب المقهورين. اُخترعت آلاف الروايات والوقائع عن المسلمين الأوائل، ودُست آثار -عن عمد- في باطن الأرض، ثم أعيد اكتشافها كبراهين تاريخية.

بكل ما أوتوا من عزم، توجه المهاجرون العرب صوب شآبيب الوعد من كل بقاع الأرض؛ أوروبا وأمريكا وحتى إفريقيا.

هل قرأ رئيس الوزراء البريطاني؛ بوريس جونسون، شآبيب. ربما!. في أبريل الماضي، وَقَعت وزيرة الداخلية البريطانية مع وزير الخارجية الرواندي في العاصمة كيجالي اتفاقًا رسميًا، تُرَحِل بموجبه بريطانيا كل المهاجرين غير الشرعيين الراغبين بالاستقرار فيها إلى تجمعات سكنية مخصصة للاجئين في رواندا، دفعت بموجبه بريطانيا أكثر من 150 مليون دولار مقابل خطة تجريبية تستمر مدة خمسة أعوام.

تعالت صيحات منظمات حقوقية عديدة رفضًا للخطوة البريطانية ومنبهةً إلى البعد الإنساني خلف مخاطرة المهاجرين بأرواحهم للهروب من بلدانهم. في المقابل رفضت المحكمة العليا البريطانية طلبات الطعن على القرار وصار التنفيذ وجوبيًا.

من جهتها تُدافع الحكومة البريطانية عن تلك الخطوة برغبتها في الحد من دخول المهاجرين غير الشرعيين، خاصة القادمين على قوارب عبر القناة الواصلة بين فرنسا وانجلترا. مؤخرًا عُلق القرار بعد إلغاء المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان قرار نقل بعض المهاجرين، وإن ظلت الفكرة قائمة.

بالعودة لشآبيب -الوطن الحلم- اكتشف المهاجرون أنهم عاشوا عالمًا خياليًا صنعته الأكاذيب بينما الواقع يتفجر عنفًا وعنصرية بين المهاجرين القادمين من بقاع مختلفة. أمام سوداوية الواقع، وضد رغبة المتعصبين للبقاء، حاول البعض الهرب للوطن الأم، وقعت حوادث اغتيالات انتهت فيها التحقيقات أن الفاعل مجهول.

 لندن-شآبيب أو لندن-كيجالي. لا فرق.

 حفظ الله الوطن.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة