Close ad
25-6-2022 | 17:33

تسرع خطواتنا أحيانًا، وتتعثر أخرى، ولكن تمضي بنا الحياة، تسعدنا أشياء وتحزننا أخرى، ومع كل موقف يمر بنا نتعلم العديد من تجارب الحياة؛ إيجابية كانت أو سلبية.

ولكننا سنتوقف اليوم عند التجارب السلبية؛ لأنها هي التي يمكن أن تصيبنا بـ"الاحتراق النفسي"، الذي تحدث عنه عالم النفس الأمريكي "هربرت فرودن برجر" في السبعينيات، وأوضح أنه ينتج عن الإجهاد النفسي الشديد.

عندما نريد أن نمدح إنسانًا متفانيًا في عمله، أو في عطائه للآخرين، نقول إنه "شمعة تحترق من أجل الآخرين"، ولكن هذا الاحتراق - للأسف الشديد - ليس كله إيجابيًا؛ بل هناك احتراق من نوع آخر، أطلق عليه علماء النفس "الاحتراق النفسي"؛ وهذا الاحتراق ينتج عن عدة أمور، منها الإجهاد العاطفي، والإجهاد العقلي، والإجهاد الجسدي، والإجهاد المهني، وقد يصل الأمر بالإنسان إلى الاستنزاف والإنهاك النفسي، ويشعر الإنسان وقتها وكأنه يحترق داخليًا، مع احتفاظه بشكله الخارجي متماسكًا، فهو يظهر بين الناس وكأنه في أحسن حال؛ ولكن يحترق داخليًا ولا يشعر به أحد من البشر غير نفسه.

وهناك مراحل عدة للاحتراق لابد أن نتطرق إليها؛ المرحلة الأولى يشعر فيها الفرد بالحماس والآمال التي يتمنى أن يحققها وأن يصل إليها، وإن لم ينجح في الوصول إليها، ولم يحقق آماله وأهدافه طموحاته، يقل ذلك الحماس وينتقل إلى المرحلة الثانية؛ التي يشعر فيها الإنسان بالملل من الروتين والرتابة التي يعيش فيها، ولم يشبع احتياجاته في تحقيق ذاته، فتقل الحوافز الداخلية لديه، ويصبح شخصًا مُحبطًا، وينتقل إلى مرحلة الإحباط التي يشعر فيها الشخص بالإجهاد والتعب الجسدي، وينتقل إلى مرحلة الإنهاك الانفعالي؛ التي تجعله ينفعل لأتفه الأسباب، ولا يستطيع مواجهة المواقف والضغوط الحياتية؛ لأنه قد استنزف كل طاقته.

ومن أكثر الأشخاص الذين قد يصابون بـ"الاحتراق النفسي"، أصحاب المهن التي تحتاج إلى مجهود فكري وعقلي، ولديهم مسئوليات عديدة، وقد يربطون درجة الرضا عن أنفسهم بالأداء المهني.

وهناك فئة أخرى قد يصاب معظمها بالاحتراق النفسي؛ وهم الذين يتخذون من العمل مركز اهتمامهم، وإشباع حاجاتهم الوحيد في الحياة، وهناك فئة ثالثة؛ وهم الذين يبحثون عن المُثل والقيم العليا، ويسعون إلى الوصول إلى المثالية، فهؤلاء أيضًا قد يتعرضون للإصابة بـ "الاحتراق النفسي".

وهناك فرق بين "الإرهاق" و"الاحتراق النفسي"؛ فالإرهاق أقل حدة، وهو إحساس بالضيق والتعب من عبء العمل، وبمجرد انتهاء ضغوط العمل يتحسن الشخص نفسيًا، وتصبح الأمور تحت السيطرة.

أما "الاحتراق النفسي" فيشعر الشخص المصاب به باستمرار الضغوط والاحتراق الداخلي، والتشاؤم والإرهاق، فهو غير واعٍ، وقد يصل إلى مرحلة الإنكار؛ وهو رد فعل طبيعي تجاه الضغوط المستمرة التي تستنزفه داخليًا.

وللوقاية من "الاحتراق النفسي"؛ لابد من أن يكون لديك عقلٌ واعٍ ومدرك، وعندك بصيرة على نفسك، ولابد من معرفة حقوقك وواجباتك، فقد جاء في الحديث الشريف: (إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ).

كما يجب أن نقسم حياتنا ووقتنا بين العمل والمنزل والحياة الاجتماعية، والترفيه عن النفس، والتركيز على كل جزء بمفرده، ولا نسمح لأي جزء بأن يطغى على الآخر، ولا نجعل أنفسنا متاحين للعمل ٢٤ ساعة.

حاول كل فترة أن تقيم أهدافك وتفحص أولوياتك، لابد أن تساعد نفسك حتى تصل إلى التوازن النفسي، ولابد من تخصيص إجازة لنفسك لتشحن منها طاقة إيجابية بالتغيير والتأمل والاسترخاء، وأن تبتعد عن الشخصيات السلبية، ولا تعطي بدون حدود، حتى لا تصبح حقًا مكتسبًا، وتصبح شمعة تحترق من أجل الآخرين، من دون أي تقدير أو اعتراف بالجميل.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة