Close ad

الموت والانتحار وترويج البضائع

25-6-2022 | 10:37

تندر الكثيرون في الماضي عن واقعة "يُقال" إنها حدثت؛ فقد كتب أحدهم نعيًا لصديقه نشره بأحد الصحف وأنهاه بأنه يقوم بتصليح الساعات!!

مع الأسف تحول هذا التندر لواقع "نعيشه"؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ إثر مقتل طالبة جامعية على يد زميلها بالجامعة بمصر في فاجعة مؤلمة؛ حيث ذبحها على مرأى من الناس؛ وجدنا كمًا رهيبًا ممن يروجون لبضائعهم بعد "تباكي" سريع وأحيانًا بدونه على الضحية..
نبدأ بمن "تقول" إنها خبيرة طاقة أكدت أن الضحية "تسببت" في موتها دون أن تدري؛ من خلال الوضعية التي كانت تتخذها في الصور فهذه الأوضاع تُخالف الطاقة وتجلب الكوارث!!
لم تخبرنا هذه "الخبيرة" عن الوضع الذي كان به هابيل عندما قتله قابيل..
راح البعض "يروج" لبضاعته الراكدة، ويتساءل بخبث عن ملابس الضحية، وكأن القتل "مباح" لمن لا ترتدي ملابس معينة؛ وروج غيرهم – من الجنسين- لخطورة الحب قبل الزواج؛ وكأن فشل ارتباط عاطفي "يبرر" القتل لمن ابتعد من الجنسين، وتعالت البكائيات من البعض تندد بالمجتمع "الذكوري" الذي تُقتل فيه البنت لرفضها الزواج من شاب، "ورفضوا" رؤية حادثتين؛ الأولى في نفس اليوم، حيث وضعت زوجة السم لزوجها ولأطفالها "الثلاثة" للتخلص منهم بالاشتراك مع عشيقها، والثانية في اليوم التالي؛ زوجة ضبطها زوجها في وضع شائن مع رجل؛ فقفزت من الدور السادس..
روج البعض لنظريات "تربوية" تقضي بأهمية ألا يُربى الشاب على أن كل البنات تنتظر اهتمامه بهن؛ ولا شك أن القاتل عمره 21 عامًا وهو مسئول تمامًا عن جريمته، وأنه لا علاقة للتنشئة بذلك؛ فهذا التفكير يبرر القتل "ويحرض" على فعله دون أن يدري مروجوه؛ فلا يوجد أي شيء في الكون يمكن أن يبرر طعن إنسان فتاة يحبها ثم ذبحها بسكين؛ وقد ثبت أنه تقدم لخطبتها ثلاث مرات ورفضته، واتجهت للشرطة مع أسرتها لأخذ تعهد عليه بعدم الاقتراب منها ولم يلتزم به، وأن أسرته دعمت موقف أسرة الضحية في منعه من التعرض لها..
 يروج آخرون لبضاعة أخذ الحق بالذراع وباللجوء للعنف ردًا على هذه الجريمة، وتناسوا أن العالم كله تحدث به جرائم يوميًا، ولا نقلل أبدًا من بشاعة الجريمة؛ ولكن نرفض ترويج العنف وزرع الخوف من المجتمع؛ كما قال أحدهم بأن النساء أصبحن يخفن من السير في الشارع؛ يفعل الكثيرون ذلك جلبًا لاهتمام بنات حواء. 
أما عن تبرير الانتحار بأن المنتحر لو وجد من يهتم به لما انتحر؛ فهذه جريمة أخرى؛ فغالبية البشر في الكون وفي جميع الأزمنة والأماكن لا يجدون من يهتم بهم - كما يتمنون - ولكنهم لا ينتحرون..
فقد فوجيء المصريون - في ثاني يوم من مقتل الطالبة الجامعية - بشاب ينتحر بالقفز بسيارته في النيل بعد نعيه للطالبة، ثم كتابته منشورًا أنه سينتحر، وكانت بعض التعليقات- مع الأسف - ساخرة؛ وغالبًا لم يصدقوا ذلك وظنوا أنه يمزح؛ "فلعنة" وسائل التواصل الاجتماعي أصابت البعض وجعلت منهم من يدعون محاولات الانتحار جذبًا للاهتمام، ولا نبرر السخرية في هذه الحالات ولا نحترمها، ولكننا نفسرها فقط. 
وفي الانتحار قفز مروجو البضائع، ومنهم من أكد بيقين غريب أن هذا المنتحر لو تلقى مكالمة هاتفية لما أقدم على الانتحار!!
لا ننكر أهمية التعاطف الإنساني ودوره في تخطي الأزمات، والمؤكد أن هذا الشاب لم يعش في جزيرة منعزلة تحوطه الشياطين من كل جانب، وقد أوصى بألا يشارك والده في جنازته؛ وهذا يؤكد وجود مشكلة كبيرة بينهما، كما انتحر من قبل "يوتيبر" عراقي لفشل قصة حبه، وأيضًا لاعب كرة مصري شاب لظروف مشابهة..
نمقت ونرفض ولا نبرر القتل أو الخيانة أو "أي" درجات العنف الجسدي أو المعنوي أو اللفظي للجميع من الجنسين وبكل الأعمار، وهو ما يجب "تذكره" مع الإلحاح من مروجي البضاعات، الذين لا يحترمون الموت ويتاجرون به خدمة لبضائعهم، ومعظمها راكدة لا تنتعش "مؤقتًا" إلا بالكوارث فيقتاتون عليها انتظارًا لغيرها.
 وكأن سلب الحياة يخضع لمقاييس معينة إن توافرت فلا مجال للتعاطف مع الضحية، أو كأن الانتحار له ما يبرره؛ لا نجلد المنتحر أبدًا، ولكننا "لا" نفتح الطريق لمن يفكر فيه بتبريره بأن المنتحر لم يجد من يهتم به؛ والأولى والأرحم نشر ثقافة الاعتناء بالنفس، وسط "التوحش" الذي يعانيه العالم، وتنامي "الفردية" والتباعد النفسي الذي زادت وطأته بعد كورونا في العالم أجمع..
نود نشر "احترام" الموت، وتقديم خبرات حقيقية تفيد الناس؛ كأهمية احترام الحياة والعمل على تفتيت العقبات التي نواجهها في الحياة، وعدم الجزع أمام الصعوبات، وربما الهزائم بأنواعها العاطفية والمادية والأسرية وبالعمل وبالدراسة، واليقين بأنها جزء لا يتجزأ من الحياة، وأننا لا نعيش في مجتمع من الملائكة، ولا نحن كذلك، ولابد من توقع حدوث ما يخالف أمنياتنا؛ بل ما يلقي بها أرضًا من وقت لآخر، حتي لا ينطبق علينا الحكمة الرائعة الإنسان المفاجأ نصف مهزوم.
فلنطرح بعيدًا عنا "نصف" الهزائم، ونتجنب التوقعات غير الواقعية "ونحتضن" السعي بمثابرة وتفاؤل معتدل ورغبة تتنامى دومًا في النهوض عند العثرات ولملمة الجراح ومداواتها بأيدينا، "واحتضان" أنفسنا بحب واحترام، والقول لأنفسنا لا بأس سننهض وسنكون أفضل ما دمنا على قيد الحياة؛ فلا مجال لنعيش كالموتى بلا وقود داخلي يدفعنا لنكون كما نحب، ولن نقترف العنف في حق الآخرين بأي درجاته، ولا في حق أنفسنا بالانتحار بأنواعه المادية السريعة والمعنوية البطيئة.

كلمات البحث
الأكثر قراءة