Close ad

حدث بالفعل.. احترام الفرصة

22-6-2022 | 15:01

أنا ممن يحترمون الفرصة إلى أقصى حد، حتى ولو كانت مجرد كلمة أو نصيحة عابرة، وربما كانت إشارة من خلال تكرار أمر ذي دلالة معينة، ولي مع ذلك حكايات وحكايات.

"إعمل دكتوراه عن أزمات المياه.. هذا هو موضوع المستقبل".. هذه مجرد عبارة أطلقها أحد الزملاء أثناء قيامنا بعمل تحقيق صحفي عن أزمات المياه في المنطقة العربية بمجلة "الأهرام العربي" في مستهل ظهورها، الحق أقول إنه موضوع لم أفكر فيه على الإطلاق، لكن لأنني أحترم الفرصة لم أهمل كلمات زميلي، وداومت على مكتبة كلية الحقوق، لمدة شهر كامل، أتعرف إلى الأمر عن قرب حتى وجدته شيقًا وجذابًا، فأعددت خطة البحث لدكتوراه عن التعاون بين دول حوض النيل، قال لي المشرف على الرسالة - وكثيرون غيره - "إن موضوع الرسالة أمر شاق حاوله البعض وفشلوا في الاستمرار فيه؛ لقلة المصادر العلمية، لكنه موضوع جديد يمكن أن يفتح لك أبوابًا كثيرة"، لكنني قررت السير مع تلك الفرصة.. ومضت أربع سنوات دون أن أحقق أي شيء، كل المراجع تتحدث عن الصراع وحروب المياه، ولا شيء عن التعاون.

شعرت أنني قد ألقيت بنفسي في مجهول ليس له أي معالم واضحة، حتى طرح صديق آخر حلًا للمشكلة، كانت فكرته مجنونة لكنني لم أهملها.. ولم لا؟ في اليوم التالي ذهبت إلى مجلسي الشعب والشوري أطلب لقاء رئيس المجلس لأعرض مشكلتي وطبعًا لم أفلح.

وعندما حاولت القيام بنفس التجربة في مجلس الوزراء، التقطني رجل فاضل ونصحني أن أكتب طلبًا أعرض فيه حاجتي وأتركه، وفعلت، وبعد عدة شهور قالوا لي اذهب إلى وزارة الري لقد تم تعيينك، لم أصدق وذهبت فاكتشفت أنني سوف أعمل بعقد مؤقت بمكافأة شهرية 176 جنيهًا! وافقت دون تردد، والجميع من حولي في ذهول تام، فقد كانت مواصلاتي من طنطا إلى القاهرة تتكلف ضعف هذا الراتب! وافقت حين علمت أن هناك مبادرة للتعاون بين دول حوض النيل تصلح أن تكون محورًا لرسالة الدكتوراه.

وقد كان، وحصلت على الدكتوراه والحمد لله وكانت فاتحة خير.. فهل كان يتحقق ذلك إن أهدرت الفرص التي أشار إليها زملائي؟ 

تقدمت للعمل فى أكثر من جامعة مصرية ولم أوفق، وفى يوم - وأنا أبحث عن فرص عمل - وجدت على الإنترنت إعلانًا من جامعة برجن في النرويج تطلب تعيين مجموعة من الباحثين من دول حوض النيل بدرجة كبير باحثين، كانت شروط التقديم كثيرة وصعبة، ومطلوب مني اقتراح مشروع بحثي أنفذه أثناء عملي هناك، فأغلقت الصفحة وانصرفت.

وفي أحد الأيام وأنا أتصفح الإنترنت وجدت نفس الإعلان يظهر أمامي فجأة، وكعادتي تساءلت لماذا ظهر الآن؟ ووجدت أن آخر موعد للتقديم يتبقى عليه ست ساعات فقط، فقررت أن أرسل فكرة موضوع جيدة، لعلها إذا أعجبتهم أمكنني تعديل الأمور الأخرى أثناء العمل، وتقدمت للوظيفة، وتم اختياري بالفعل.

بعد سنة من عودتي من النرويج، وأثناء ذهابي إلى عملي في مصر، وجدت ملفًا على مكتبي، فتحته فوجدت إعلانًا للعمل في نفس الجامعة النرويجية في نفس البرنامج، كنت قد رأيت ذلك من قبل ولم أفكر في التقدم لأنهم أخبروني أنهم لن يقبلوا نفس الشخص للعمل في نفس البرنامج مرتين، كان مطلوبًا مني تمرير هذا الملف على كل الزملاء ممن يحملون درجة الدكتوراه؛ لكي يتقدموا إذا أرادوا.

لكن لم يكن هناك من الزملاء في تلك اللحظة غيري يحمل درجة الدكتوراه، وتساءلت مجددًا لماذا جاءني هذا الملف الآن؟ جلست على مكتبي وقررت أن أتقدم للوظيفة، فلن أخسر شيئًا، وحدث ما لم أكن أتوقعه، قبلوني للمرة الثانية، وكنت الوحيد من دول حوض النيل الذي يعمل في هذا البرنامج مرتين.

مرة واحدة لم أحترم فيها الفرصة على الرغم من تلك الخبرات السابقة.. حين طلب مني أحد الأساتذة تولي رئاسة أحد المعاهد الإقليمية التابعة لإحدى الوزارات العريقة بمرتب مجزٍ ووضع وظيفي ممتاز، أفضل كثيرًا مما أنا عليه، وكان متمسكًا بي إلى أقصى درجة، نصحني الكثيرون باقتناص تلك الفرصة التي قد لا تتكرر كثيرًا.

وإخلاصًا مني لرئيسي في العمل، ذهبت إليه وعرضت عليه الأمر، فطلب مني أن أصرف نظر عن هذا الموضوع، وأن أستمر معه لأنني الأفضل، وأنه يثق بإخلاصي وإتقاني لعملي.. إلخ.

وبالفعل صرفت نظري عن الأمر وبقيت معه.. بعدها بشهور قليلة استغنى رئيسي عني لسبب لا يعلمه إلا الله، وكانت الفرصة بالطبع قد ضاعت.. لكن لأنني أحترم الفرصة دومًا، فقد اعتبرتها درسًا وتحديثًا لذاكرتي وخبراتي حتى أظل على عهدي مع احترام الفرصة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: