Close ad

الماضي مرآة المستقبل

22-6-2022 | 12:48
الأهرام العربي نقلاً عن

من ليس له ماضٍ ليس له مستقبل، نحن لدينا هذا الماضي، المشغول بعناية الأسلاف، الغني بحوادث وأحداث مركبة، تولدت عنها عدة حضارات.

فى لحظة معينة اعتبر أصحاب الحداثة وما بعد الحداثة أنها مجرد متاحف للفرجة، ونهبوا في غالب الأحيان رموزها الثرية، وتعاملوا معها كميراث ومشاع، ومعظم متاحف الدنيا تضم كنوزًا أثرية نادرة، دلالة على غلبة قناص التحف المسيطر فى أزمنة ماضية.

كان اعتبار الحداثة وما بعدها لهذه الحضارات مقصودًا، وفعلا متعمدًا، حتى نشعر بأنّا ولدنا فى هذا العالم توًا، وأن التاريخ بدأ مدوناته المسجلة مع عصر الثورات الصناعية الأربع المتتالية، وصولًا إلى عصر الميتا فيرس.

وهل كان هذا هو الواقع بالفعل؟

غالبًا ما يكتب التاريخ من قبل المنتصرين كيفما شاءوا، وهم كانوا منتصرين منذ عصر الكشوفات الجغرافية العظيمة، عصر فاسكو دا جاما، وعصر كريستوفر كولومبوس، واكتشاف قارات وأراضٍ جديدة، ومن مصادفات التاريخ أن اكتشاف أمريكا، على سبيل المثال، جرى في لحظة خروج العرب من الأندلس عام 1492!

في ذلك العام كان التاريخ يتغير، وتتحول مساراته، وتمشي الجغرافيا في ركابه، وخلال القرون الخمسة الماضية تسلم الراية أصحاب عصر الحداثة وما بعد الحداثة، وتم استخدام ذلك العصر المنتصر في الحرب والغزو.

الحرب الروسية - الأوكرانية ليست بعيدة تمامًا عن تلك النظرة، ذات القضبان الحديدية، إنها تحدث واقعيًا منذ عقود، وكأنها قطار يسير إلى النهاية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال أمام مجموعة شباب روس: إن روسيا الآن تحتفل ببطرس الأكبر قيصر روسيا الخامس، وكأنه يريد أن يقول: إن مسارات حرب القيصر الخامس تعود الآن في العصر الراهن، وقد قاتل ذلك القيصر في السويد وفنلندا، وأستونيا، ولاتفيا، طبعًا هي دول مستقلة الآن، لكن إشارة بوتين لا تخفى على لبيب.

إذن بوتين يستدعي التاريخ، تمامًا كما يستدعي الشعور القومي من أجل الثقافة واللغة الروسيتين، بعد أن اكتشف أنهما يتعرضان للطمس والمحو والتحريم فى شرق أوكرانيا، ويتعرضان للعسف فى أوروبا الغربية، وقد عمدت إلى تحريم أسماء كبار الكتاب والموسيقيين: أمثال تشايكوفيسكي، وليو تولستوي، ودوستويفسكي، ورحمانوف.

إذن، الماضي يقف شاهدًا على العصر، وأنه مهما تجول العالم في عصر الميتافيرس، فإن أنامل البشر التي صاغت الحضارة، وكتبت المدونات، لا يمكن أن تختفي، تحت مزاعم ما بعد الحداثة.

لننظر إلى أزمة الغذاء العالمية، ثم أزمة الطاقة، وصولًا إلى نقص في حليب الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية العظمى، ونتمعن في الأمر.

يقال إن الكساد العظيم في الثلاثينيات يعد مجرد أزمة طارئة، مقارنة بما يجري في عالم اليوم، حتى إن بعض النابهين بدأوا يتذكرون وضع أوروبا في القرن العاشر، عندما وجدت نفسها في أزمة غذاء، ففكرت في (الحج) إلى الشرق، أرض العسل واللبن.

 هؤلاء النابهون يرمون بإشارة خاطفة، بأنه يمكن أن تفكر أوروبا أو أمريكا، أو أي قوة أخرى بازغة، في النظر إلى بلادنا العربية، أو إفريقيا بوصفها المناطق الرخوة الغنية بالموارد، فتعمد إلى حل أزمتها الوجودية على حساب هاتين المنطقتين، ضمن معركة خلط الأوراق العالمية.

فهل يمكن أن ننظر إلى المستقبل بعناية من خلال الماضي؟

أجل.. يجب أن نفعل ولا ننتظر.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة