Close ad

بلد شهادات.. والمحصلة صفر

18-6-2022 | 14:06

 لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع ونقرأ عن مناقشة رسالة علمية "ماجستير أو دكتوراه"، وفي بعض الأحيان يشهد اليوم الواحد مناقشة أكثر من رسالة، فأي باحث يستطيع أن يختار موضوع رسالته العلمية كما يشاء، ويفعل فيها ما يراه، طالما الهدف منها الحصول على ترقية، أو للوجاهة الاجتماعية، أو من أجل أن يقال "الدكتور راح الدكتور جه"، وتكون المحصلة النهائية أطنانًا من رسائل علمية لا قيمة ولا وزن لها.
 
وللأسف الشديد السواد الأعظم من هذه الرسائل في تخصصات أكل عليها الزمن وشرب، ويأتي في مقدمتها الإعلام - علم النفس - الاجتماع - الفلسفة - الجغرافيا - القانون - المكتبات - اللغات، وغيرها الكثير من التخصصات التي لا تخدم خطط الدولة التنموية، ويكفي أن تعرف عزيزي القارئ، إنه وفقًا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تقدم حوالي 904 آلاف باحث وباحثة للحصول على الدبلوم والماجستير والدكتوراه خلال الفترة من 2009 وحتى 2020 في مختلف الجامعات وفي كافة التخصصات، من بينهم 1708 باحثين فقط في تخصص تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، هذا التخصص الذي أصبح عنوان العصر، وتحتاجه مصر في معظم مشروعاتها التنموية، وهناك طلب غير مسبوق وحاجة ملحة إلى خريجيه في مختلف المجالات.
 
وهنا تحضرني كلمات جاءت على لسان الرئيس السيسي في أحد المؤتمرات الخاصة بالتعليم إذ قال: "في بلادنا هناك من يحصلون على الماجستير والدكتوراه، لكنهم يحصلون عليها في معارف ليس لها مجالات عمل"، مما يؤكد أن هناك فجوة كبيرة بين رؤية الدولة وخطتها للتنمية المستدامة 2030 وبين تطلعات واهتمامات الباحثين.
 
ولك أنت تتخيل معي، لا أقول غالبية الباحثين البالغ عددهم 904 آلاف، ولكن نصفهم أي أن 452 ألف باحث وباحثة حصلوا على درجاتهم العلمية في تخصصات مطلوبة وحديثة مثل تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات - الطب النووي - تكنولوجيا الأنسجة - إدارة الأعمال - الجراحات الدقيقة - العلاج بالإشعاع - النانوتكنولوجي - الفيزياء النووية - علوم الفضاء - العلاج بالليزر - الهندسة الوراثية - الاستشعار عن بعد، وغيرها من التخصصات المطلوبة في سوق العمل محليًا ودوليًا، ساعتها بالتأكيد سنكون في "حتة تانية"، وسنكون قادرين على أن نلحق بركب التقدم في شتى المجالات، وسيكون لدينا خبراء في شتى المجالات يستطعيون مواصلة الإبحار بسفينة الوطن نحو بر الأمان، بدلا من هذه التخصصات التي لا جدوى منها ولا وظائف لها.
 
ولمواجهة هذه الفوضى غير المسبوقة، لابد أن يتم عمل حصر شامل لجميع رسائل الماجستير والدكتوراه سواء الموجودة بالجامعات المختلفة، أو بمراكز ومعاهد البحوث البالغ عددها 425 مركزًا ومعهدًا بحثيًا، موزعة بين الوزارات والجامعات والهيئات المختلفة، وبالطبع تتكرر في هذه المعاهد والمراكز العلمية الأبحاث، كما تتكرر في الجامعات، وتتراكم وتنام على الأرفف حتى تأكلها "العتة".
 
ولكي يكون البحث العلمي وبحق هو القاطرة التي تأخذ بيد الوطن إلى التقدم والازدهار على كافة الأصعدة، يجب أن ترتبط الأبحاث العلمية داخل الجامعات والمراكز والمعاهد البحثية بخطة التنمية المستدامة للدولة 2030، ورؤيتها للمستقبل، بحيث تكون هناك خطة واضحة للأقسام العلمية بالكليات المختلفة مرتبطة بخطة الدولة التنموية، تكون الأولوية فيها للأبحاث العملية التي تقدم حلولًا مبتكرة لمشكلات قائمة حاليًا في الصناعة أو مشكلات مستقبلية، أو تعمل على تطوير خدمة قائمة أو إضافة لمنتجات جديدة.
 
كما نحتاج أيضًا إلى آليات مبتكرة لربط البحث العلمي بالصناعة، بحيث تتحول الأقسام العلمية - سواء بالجامعات أو مراكز البحوث - إلى بيوت خبرة للصناعة المصرية، وأن تكون هناك صناديق متخصصة في تمويل الأبحاث العلمية، تساهم فيها الشركات الصناعية المختلفة، بحيث يكون القطاع الخاص مساهمًا في الإنفاق على البحث العلمي وخاصة في الأبحاث التي تعود عليه بالنفع المباشر، أي الأبحاث التي تجري لحل مشكلة قائمة، أو تلك التي تجري لتطوير سلعة، أو رفع كفاءة خدمة معينة.
 
كما أننا نحتاج إلى الأبحاث العلمية التي تساعدنا على خلق سلالات جديدة من القمح يمكن زراعتها في الأراضي المالحة أو تلك التي تتحمل الظروف المناخية الصعبة، وأيضًا الأبحاث التي تتعلق بترشيد استخدام المياه وطرق الري الحديث، ومواجهة التصحر، وغيرها من الأبحاث العلمية التي يفرضها واقع العصر الحديث، وتحتاجها الجمهورية الجديدة.
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة