راديو الاهرام

الدليل الشرعي للمكسب الحلال.. «التقوى والصدق والإتقان» تجارة مع الرحمن

15-6-2022 | 10:16
الدليل الشرعي للمكسب الحلال ;التقوى والصدق والإتقان; تجارة مع الرحمنتحري الصدق في التجارة من خلق المسلم الحق
تحقيق - هناء عبد المنعم
الأهرام التعاوني نقلاً عن

كيف يتحقق لمجتمعنا التاجر الأمين.. والصانع المجد.. والزارع المتقن.. والمستثمر الوطني؟.. قضية من أهم القضايا التى لابد لمجتمعنا المصرى الحبيب أن يحققها فعلا وعملا.. ولتحقيق هذا غايات ومقاصد وضعها شرعنا الاسلامى الحنيف.. وبيّنها ووضحها رسولنا [ ومن بعده علماؤنا الأجلاء.. منها تحقيق التقوى والصدق والجد والاتقان والحرص على حب الوطن.. وغيرها من العوامل المعلية لشأن وطننا بسواعد رجاله المخلصين.. صفحة «واحة الإيمان» بجريدة الأهرام التعاوني تناقش هذه القضية مع العلماء فى السطور التالية.

موضوعات مقترحة

يقول الدكتور السيد محمد سلام أستاذ البلاغة والنقد عميد كلية اللغة العربية جامعة الازهر بالمنوفية: إذا أردنا أن يكون التاجر أميناً، والصانع مجداً، والزارع متقناً، والمستثمر وطنياً، فعلينا أن نلتزم بما أمر الله به وهيأ له بالنداء؛ لأهميته فقال سبحانه:‭{‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‭}‬ ففى الآية نداء يدل على أهمية ما بعده من الأمر بالتقوى والتكوين النفسى على الصدق الذى بها يتحقق الأمن والأمان، والجد والاتقان، والحرص على حب الوطن الذى علمتنا إياه شرائع الرحمن، والنبى [ يقول: «التَّاجرُ الصَّدوقُ الأمينُ معَ النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ» لأن من يراقب الله فى عمله،  فلا يحتكر ولا يغش ولا يخون ولا يخدع، ويراعى أحوال الناس، أما التاجر الكاذب فهو من الخاسرين فى الدنيا والآخرة، فلا يجد بركة فى ماله، ولا نفعاً فى كسبه، والتجارة شرف؛ لأنها صفة من صفات النبى وأصحابه، وكذا الصناعة علمها الله لأنبيائه فقال لنبيه نوح: ‭{‬وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا‭}‬ ويقول عن سيدنا داوود: ‭{‬وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ‭}‬ وإتقانها أمن وأمان أيضاً فالله أتقن صنعته كما قال: ‭{‬صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ‭}‬ واستخلفنا فى أرضه، فلا بد أن نكون على قدر المسئولية، وأن نلتزم بقول النبي: (إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ) وذلك لأن الله يراه ويحاسب عليه.

الوطنية دين

وأضاف أن الصانع المتقن يدفعه إلى ذلك إيمانه وصدقه وحبه لدينه؛ لأن الوطنية دين وهذا أساس التقدم والرقى والإزدهار فى الحياة، وقوة الاقتصاد تترتب على الاتقان والصدق والأمانة، وليس هذا فى الصناعة فقط بل الزراعة من وسائل قوة الاقتصاد أيضا، فهى صمام الأمان لتوفير الغذاء وتحقيق الاكتفاء وتحقق لصاحبها مكانة عالية كما قال النبى: (ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلا كانَ له به صَدَقَةٌ)، والزارع المجد كالصانع المتقن لا بد أن يخطط لعمله ولا يعمل بعشوائية؛ لأن أجر عمله باق فى الدنيا والآخرة ما دام فى تخطيطه وحسن عمله نفع له ولغيره إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، وهذا من المروءة، وقد سئل أبو هريرة عنها فقال: تقوى الله وإصلاح الضيعة، ومن أهم صفاته: الاستعانة بأهل الذكر فى ذلك، واحترام حقوق الغير، وعدم التعدى عليها، وقد حذر النبى من ذلك، فقال: (مَن ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ)، وربنا يقول: ‭{‬فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‭}‬. 

وبناءً على ذلك تكون أهمية الاستثمار الوطنى الذى يقوم على تحقيق المصالح، والمشاركة فى بناء الوطن، ومواجهة التحديات، وعمارة الكون بالصلاح والابتعاد عن الإفساد؛ لأن الله حذر منه فقال: ‭{‬وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا‭}‬ وأمرنا بالتعاون على ما ينفع ويرفع فقال: ‭{‬وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‭}‬، وبالاستثمار والتنمية يتحقق التقدم والرقي، والنبى عندما قدم المدينة أنشأ سوق المناخة وأقامه على مبادئ الصدق والأمانة والسماحة حتى كان له أثر عظيم فى تقدم المدينة وارتقائها فى تفعيل الطاقات واستثمارها، وتوفير فرص العمل، وتحقيق التنمية المستدامة، والمشاركة فى بناء الأوطان؛ تحقيقاً للدور المجتمعى الذى ينبغى أن يقوم به كل من يستطيعه لتحل البركة ويتحقق النماء ويكثر العطاء، ويتحقق الخير المبنى على قوله صلى الله عليه وسلم: (إن اللهَ يُحِبُّ المؤمنَ المُحْتَرِفَ).

يقول الدكتور مصطفى ماضى من علماء وزارة الأوقاف: إن الزارع المجد وطنى مخلص، تحمله وطنيته على أداء دوره فى مقاومة محاولات التجريف والتبوير للأراضِى الزراعيةِ والبناءِ عليهَا، حيث أن هذا التجريف والتبوير لا شك أكثر أسباب نقصِ المحاصيلِ، مما يدفع إلى زيادةِ الاستيرادِ، وفى هذا عبئا على الدولةِ، وهذا ضرر منهى عنهُ، إذ يقول النبي: «لا ضررَ ولا ضرار»، كمَا أنَّ الزارعَ المجدَّ ينطلق مِن وطنيتِهِ فى تسويقِ محصولِه بعدَ حصاده بلا تأخير، ولا حبس، ولا احتكارٍ، فالزارع الوطنى التقي، يراقب الله تعالى يحب لغيره كما يحب لنفسه، وقد قال النبى « لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، لا يعرف استغلال الأزمات أو المتاجرة بمعاناة الناس، أو الاحتكار والتضييق على الناس فى طعامهم، وقد قال النبي: «مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ، وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ»، ولا تستهين بهذا اللفظ، فالله عز وجل قد وصف به أصحاب الناما أن يتنفس الصباح، ويبزغ الفجر، إلا وترى الناس يخرجون من بيوتهم، إلى حرفهم وصناعاتهم، ومحل عملهم، كل صاحب صنعة أو حرفة يغدو، يسعى للكسب، يأمل أن ينال من رزق الله وفضله وعطائه، أولئك مدحهم القرآن الكريم، ومدحهم النبي، فقال تعالى (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ) وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ هَذَا فِى سَبِيلِ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَفِى سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَعِفَّهَا فَفِى سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَهْلِهِ فَفِى سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى تَفَاخُرًا وَتَكَاثُرًا فَفِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ».

كانوا أصحاب مهن وحرف

وأوضح أن للصناعة أهمية عظيمة فى تقدم الفرد والمجتمع، ولأهميتها ومكانتها كان للأنبياء عليهم الصلاة والسلام حرفهم وصناعاتهم، فقد جاءت آيات وأحاديث تدل على ذلك، فهذا نوح كان يعمل فى النجارة وصناعة السفن: قال تعالى: ‭{‬وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ‭}‬، كذلك كان عمل زكريا فى النجارة؛ يقول النبى: «كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا». فهؤلاء هم الأنبياء، والصحابة الكِرام من المهاجرين والأنصار كانوا أيضا أصحابَ مهن وحرف؛ فمنهم اللَّحَّام والجزَّار والبزَّاز والحدَّاد، والخيَّاط والنَّسَّاج والنَّجَّار» سعيا إلى الرزق والكسب وعفاف النفس عن الحاجة، وهذا مما أكد عليه النبى (صلى الله عليه وسلم)، إذ يقول: «لَأَنْ يأخذَ أحدُكم حَبلَه، فيأتيَ بحُزمة الحَطبِ على ظهره فيبيعَها، فيَكُفُّ اللهُ بها وَجهَه، خيرٌ له من أن يسأل الناس، أَعطَوْه أو منعُوه»، وعن عمر بن الخطاب أنه كان يقول: «إنِّى لأرى الرَّجل فيعجبني، فأقول: له حِرفة؟ فإن قالوا: لا، سَقَطَ من عيني»، كما كان نبينا يشيد بالمبدعين والمتقنين من أصحاب الصنائع، ويُوكلهم بالأعمال، إذن إتقان الصناعات والتحلى بروح الأمانة فيها من أهم الواجبات العملية التى حث عليها الإسلام، هو طاعة يتقرب بها المسلم إلى ربه، ويرقى بها إلى مرضاته سبحانه وتعالى، فقد قال تعالى: ( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، وعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِى قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ».

الاستثمار قاطرة التقدم

ويشير الدكتور إبراهيم كمال دكتوراه فى السياسة الشرعية بجامعة الأزهر من علماء وزارة الأوقاف: أن تقدم الأمم ورقيها وحضارتها لا يكون إلا بسواعد أبنائها الشرفاء الذين يضعون قضايا أمتهم نصب أعينهم لا يحدون عن هدفهم فى رفع راية وطنهم طرفة عين، ولا ريب أن الاستثمار المالى والصناعى والزراعى أساس قاطرة التقدم، فلا تقدم ولا رقى إلا بإيجاد مستثمر وطنى وتاجر أمين وصانع متقن وزارع مجد، فكيف نتحصل عليهم؟ إن للاستثمارِ أهميةُ كبرى، لأنهُ أساسُ التنميةِ الاقتصاديةِ والنهوض بالشعوب، ويُقصَدُ بالاستثمارِ استخدامُ المالِ قصدَ نمائِهِ وزيادتِهِ وإحيائِهِ؛ فيمَا أحلَّهُ اللهُ بكلِّ الوسائلِ المشروعةِ لصالحِ الفردِ والجماعةِ؛ لذلكَ حثَّ الإسلامَ علَى حركةِ المالِ وتداوُلِهِ وتقلُّبِهِ ودورانِهِ واستثمارِهِ، لأن المالَ لمْ يُخْلَقْ للحبسِ وعدمِ التداولِ، وإلَّا لتعطلَّ سيرُ الحياةِ، وحدثتْ المجاعاتُ، وخربت البلادُ، وهلك العبادُ؛ لذا رغَّبَ الإسلامَ فى كلِّ وسيلةٍ تؤدى إلى تشغيلِ المالِ واستثمارِهِ وتداوُلِهِ، فحثَّ على التجارةِ بشتى ألوانِهَا، وجعلَ طرقًا عديدةً لمنْ يَمْلِكُ المالَ ولا يقدرُ على العملِ، فأجازَ المضاربةِ وجميعِ طرقِ الكسبِ والشركاتِ الجائزةِ شرعًا بشروطِهَا وضوابِطِهَا، لأنَّ الدراهمَ والدنانيرَ، لا تُنمَى إلا بالتقليبِ والتجارةِ، وليس كلُّ منْ يمْلِكُهَا يُحسنُ التجارةَ، ولأنَّ كلَّ مَن يُحسنُ التجارةَ ليسَ لهُ رأسُ مالٍ، فاحتيجَ إليهَا من الجانبينِ فشرعهَا اللهُ تعالى لدفعِ الحاجتَينِ، والمقصدُ العامُ للشرعِ الحكيمِ منْ وراءِ كلِّ ذلكَ، هوَ تحريكُ عجلةِ المالِ ودورانِهِ واستدامِةِ تداوُلِهِ وتقَلُّبِهِ بينَ النَّاسِ، حتَّى لا يكونَ منحصِرًا بينَ فئةٍ وأقليةٍ قليلةٍ، تزدادُ غنيً بنمائِهِ، وفى نفسِ الوقتِ توجدُ فئةٌ وطائفةٌ أخرى لا تملكُ منَ المالِ ما يكفيهَا لإشباعِ الضرورياتِ والأساسياتِ فى الحياةِ، فكانتْ نظرةُ الشارعِ حكيمةً، حينَ بيَّنَ هذهِ العلةَ فى قولِهِ تَعَالَي: ‭{‬كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ‭}‬.

وأكد أن للتجارة دور كبير فى التنمية والنهوض بالدولة؛ لذا أمرنَا الشارعُ الحكيمُ بالإتجارِ فى الأموالِ وحرَّمَ الاكتنازَ لأنهُ يعملُ على تعطيلِ حركةِ المالِ، ولقدْ ضربَ لنَا الرسول أروعَ الأمثلةِ فى توجيهِهِ الصحابةَ إلى عمليةِ الاستثمارِ، وممَّا يُروى فى ذلكَ أن رجلًا من الأنصارِ أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم يسألُهُ، فقالَ: «أما فى بيتك شيءٌ؟» قال: بلى، حِلسٌ نلبسُ بعضَه، ونبسُط بعضَه، وقَعبٌ نَشربُ فيه الماءَ، قال: «ائتنى بهما»، قالَ: فأتاه بهما، فأخذَهما رسولُ الله بيده، وقالَ: «من يشترى هذين؟» قالَ رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمٍ، قالَ: «من يزيدُ على درهمٍ؟» -مرتينِ أو ثلاثًا-، قالَ رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصارى وقالَ: «اشتر بأحدهما طعامًا فأنبذه إلى أهلك، واشتر بالآخرِ قَدومًا فأتنى به»، فأتاه به، فشدَّ فيه صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قالَ: «اذهب فاحتطِب وبع، ولا أرينَّكَ خمسةَ عشرَ يومًا»، فذهبَ الرجلُ يَحتطبُ ويبيعُ، فجاءَ وقد أصابَ عشرةَ دراهمٍ، فاشترى ببعضِها ثوباً وببعضِها طعامًا، فقالَ رسولُ الله: «هذا خيرٌ لك من أن تجيءَ المسألةُ نكتةً فى وجهكَ يومَ القيامةِ.»، ومنْ هُنَا تَظهَرُ أهميةُ الاستثمارِ فى التجارة وأنها تنمى المال وتزيده وتقلل الفوارق بين طبقات المجتمع فلا يبقى المال فى يد الأغنياء فقط.

تاجر أمين ومستثمر وطنى مجد

يضيف الدكتور إبراهيم كمال لكى نخلق مناخ صالح للاستثمار فى التجارة يلزم إيجاد تاجر أمين ومستثمر وطنى حريص كل الحرص على مصلحة البلاد والعباد لديه الثقافة الكافية التى تؤهله للنجاح وذلك من خلال تعلم فقه السوق والبيع والشراء: فيجب على المستثمر تعلم أحكام البيع والشراء، حتى لا يقع فى الحرام أو الربا وهو لا يدري. “ قال عمرُ بنُ الخطاب: لاْ يَبِعْ فِيْ سُوْقِنَا إِلاْ مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِيْ الدِّيْنِ”؛ ولذلك كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يدخل السوق، فإذا وجد بائعًا لا يفقه كيف يبيع ويشترى علاه بالدرة، وقال له: تعلم. من لم يتعلم ذلك الفقه وقع فى الربا شاء أما أبى »، وقالَ عليُّ بنُ أبى طالبٍ: مَنِ اتَّجَرَ قبلَ أَنْ يَتَفَقَّهَ ارْتَطَمَ فِيْ الرِّبَا، ثُمَّ ارْتَطَمَ، ثُمَّ ارْتَطَمَ، أي: وقع فى الربا.

وبتحرى الكسب الحلال: وهذه من أهم صفات المستثمر، أن يهتم بتحرى الحلال والبعد عن الحرام؛ فقد روى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: “إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ‭{‬يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا‭}‬، وقال تعالى: ‭{‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ‭}‬. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذى بالحرام، فأنى يستجاب له؟!”، ولتكن لكم القدوة فى سلفنا الصالح فى تحرى الحلال، فكانوا يتورعون عن بعض الحلال خشية أن يكون حراما!، فهذا عمر يقول: «كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع فى الحرام»، واعلم – يا عبدالله- أن كل ما تدخله بطنك من الحرام هو أول ما ينتن؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ». 

أخلاق الاستثمار

ويستطرد فضيلته: وبالتحلى بأخلاق الاستثمار والبيع والشراء: كالصدق والأمانة والسماحة والوفاء بالعهود وكتابة الدين والإشهاد وغيرها، وهذه الصفات تورث الثقة بين المتعاملين؛ كما أنها سبيل إلى بركة البيع والشراء؛ فَعَن حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ؛ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»؛ ويقول: «رحِم الله رجلاً سمحًا إذا باع وإذا اشتَرى وإذا اقتَضَى ».

وعدم أكل أموال الناس بالباطل: قال تعالى: ‭{‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ‭}‬ «أي: لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل، أى ما لم تبحه الشريعة كالربا والقمار والرشوة، والغصب والسرقة والخيانة، وما جرى مجرى ذلك من صنوف الحيل، إلا أن تكون تجارة، أى معاوضة محضة، كالبيع عن تراض منكم فى المحاباة من جانب الآخذ والمأخوذ منه»، وقال سبحانه وتعالى: ‭{‬وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‭}‬؛ «قال ابن عباس: هذا فى الرّجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بيّنة؛ فيجحد المال ويخاصمهم إلى الحكّام، وهو يعرف أنّ الحقّ عليه، وقد علم أنّه آثم، آكل حرام» وما أكثر الاستثمارات الوهمية فى هذا الزمان، (وما أكثر المستريحين فى هذه الأيام).

صنعة متقنة وصانع متقن

ويتساءل دكتور كمال على ان الاستثمار الصناعى لابد أن نحصل منه على صنعة متقنة وصانع متقن؟ قائلا: كثيراً ما نجد انفصامًا وانفصالًا كبيرًا بين الواقع والمأمول فى إتقان الصنائع والحرف؛ فتجد أن الفرد يعمل بجد وإخلاص وجودة وإتقان إذا كان يعمل لنفسه؛ إما إذا كان يعمل فى شركة أو وظيفة أو مؤسسة أو وزارة؛ فإنه لا يبالى بعمله؛ وأن شغله الشاغل التوقيع فى دفتر الحضور والانصراف؛ ولا يهمه بعد ذلك جودة أو خدمة أو إتقان صناعة أو قيام مجتمع أو سقوطه أو مراقبة أو غير ذلك؛ لذلك حضَّنا الشرع الحنيف على إتقان العمل والصناعات بأساليب متنوعة، فمن هذه الأساليب أنَّ الحق تبارك وتعالى جعل الإتقان صفة من صفاته سبحانه، فقال فى وصف خلقه سبحانه: ‭{‬وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ‭}‬..

ويرجع تأخر المجتمعات المسلمة فى أهم مجالات الحياة، بسبب فقدان إتقان الصناعات وضحالة المهارة والعجز عن ملاحقة السباق الحديث فى ميادين الثقافة والصناعة والمهارة؛ فكم من أرواح أزهقت بسبب الغش وعدم الإتقان فى مجالات الصناعات والحرف، وكم من أبراج وعمارات هدمت بسبب عدم الإتقان، وكم من قطارات انزلقت خارج القضبان بسبب سوء الصناعة، وكم من عبارات وسفن غرقت بسبب عدم الجودة والإتقان، وكم من طرق وكبارى انهارت نتيجة عدم إتقان الصنعة، كما أن الالتزام بالإتقان والجودة فى الصناعات يحقق التنمية والاستقرار والتطور والنمو؛ والإتقان والجودة فى المنظور الإسلامى عبادة وطاعة، فإذا حافظ عليهما الصانع بهذه النية تحققت له البركة والخير والنماء.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة