Close ad

خطاب وداعي لجورج سوروس

12-6-2022 | 14:37
الأهرام العربي نقلاً عن

كان خطابًا قصيرًا، أشبه بخطابات الوداع، يحمل رسالة مشفرة، تصل إلى عنوان وحيد، يقع في مدينة صاخبة، تسمى حضارة «المجتمع المفتوح».

كلمات الخطاب منتقاة بعناية، تتضمن تخويفًا وتهديدًا مستبطنًا، جاء فيه: «ربما كان الغزو بداية الحرب العالمية الثالثة، وقد لا تفلت حضارتنا من ذلك».

بعد الوعيد والتهديد، قدم الخطاب نصيحة وطريقة وحيدة لحماية هذه «الحضارة»، هي ضرورة هزيمة روسيا، وتحجيم الصين، فلا يجوز التعايش بين مجتمع مفتوح ومجتمع مغلق، فالصدام لم يأت من فراغ، كان سيقع حتمًا، فتنتهي معه مسائل عالقة!

هكذا تحدث العراب جورج سوروس.

ليس هناك مكان أفضل من منتدى دافوس الاقتصادي الذي يعقد سنويًا في سويسرا، ويضم نخبة ليبرالية عالمية، ويحدد ما ستكون عليه حركة النظام الدولي، سياسيًا واقتصاديًا، وهذا العام عقد وسط أزمة عالمية طاحنة، وظهور مسألة روسية أوكرانية، قد تتسع إلى أبعد من حدود الدولتين ذات الأصل الواحد.

خطورة الخطاب القصير أنه جاء على لسان أحد العرابين الكبار، وصانع الأحداث الأبرز خلال الثلاثين عامًا الماضية، منذ انهيار بنك إنجلترا عام 1992، إلى خطابه المشفر في منتدى دافوس، وانحاز فيه إلى حتمية الصدام الدامي بين معسكرين، مغلق ومفتوح، والتبشير بحرب عالمية ثالثة!

إنه جورج سوروس!

 المجري الأمريكي، الملياردير، صاحب حقوق الملكية الفكرية لثورات فصول السنة، والثورات الملونة والمخملية، والقاتل الاقتصادي للبنوك والعملة، المؤمن بالمجتمع المفتوح، وصاحب المنظمة العالمية التي تحمل نفس الاسم، وتنخرط في كل عواصم الدنيا.

 إنه جورج سورس التلميذ المتدرب، والمتيم بكتاب «المجتمع المفتوح وأعداؤه» من تأليف الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل بوبر، الأستاذ الجامعي الذي ألف كتابه ذاك مع نهاية الحرب العالمية الثانية بعيدًا عن هدير المدافع، ثم كتب عنه الفيلسوف البريطاني برتراند راسل مقالة صغيرة، جعلت منه أحد الأساطين، فوضعته في مصاف فلاسفة العصر والعصور التالية، وتحول كتابه إلى جسر طويل من جسور العبور من الغرب إلى الشرق سنوات الحرب الباردة.

جورج سورس لم يتعلم من بوبر وحده، بل تعلم من اليساري البريطاني المتطرف هارولد لاسكي، المنظر السياسي، الكاتب والمفكر، المؤمن باندلاع الثورات المستمرة العنيفة، وزعيم حزب العمال البريطاني، والمؤثر في قطاع كبير من أصحاب نزعة الثورة مستمرة.

بوبر ولاسكى كانا بمثابة مدرسة سرية لتعليم سوروس أصول السيطرة على العقول والقلوب، ظل وفيًا لهما، حتى بعد أن أصبح صاحب مليارات، ويوصف بأنه كاسر بنك إنجلترا، والمتبرع الأول للحركات السياسية من أي دولة، من خلال منظمته «المجتمع المفتوح»، المؤسسة التي يمتد نشاطها في كل الأماكن التي أصيبت بالربيع الثوري: براغ، أوروبا الشرقية، القوقاز، ميدان السلام في الصين، الربيع العربي.

جورج سورس في الحادية والتسعين، ولا يزال قادرًا على تحريك أتباعه من خلال تصريح، أو خطبة صغيرة مشفرة.

هل هو قدر أن يفكر عراب أو آخر نيابة عن الآخرين؟ ولماذا يتفشى الولع بأن «الحضارة» المقصودة هى الغرب وحده، ولماذا لا تتعدد الحضارات؟ وهل هناك حضارة يمكن أن تقوم بالقوة المفرطة ثم تستمر؟ وماذا بعد غياب العرابين الكبار أمثال جورج سوروس؟

 كان خطابًا قصيرًا.. نعم، كان خطيرًا.. نعم، لكنه محض خطاب وداعي لن يصل إلى أي عنوان.

كلمات البحث