Close ad

الاستدامة المنسية تحت سطح البحر "2- 2"

6-6-2022 | 13:05

لا تتوقف آثار ارتفاع درجات الحرارة السلبية، بسبب التغير المناخي، على الإنسان في الأرض والحيوانات والكائنات الحية في البر، بل تتفاقم هذه التأثيرات وتتضاعف على الحياة البحرية تحت سطح المياه، فما نراه ونعلمه من مساوئ ارتفاع هذه الحرارة في البر، تشكل نسبته أقل من 1% تقريبًا من حجم المخاطر التي تجتاح الحياة البحرية والكائنات الدقيقة والشعاب المرجانية، ولا نراها، تحت سطح البحر. 
 
كل يوم يمر، كما عرضنا الأسبوع الماضي، يتزايد فيه الخلل والتدمير لكائنات حية أسفل سطح المياه، وتتعرض فيه محمياتها الطبيعية البحرية ومكوناتها النادرة، مثل الشعاب المرجانية، للتدمير والموت بسبب التلوث، وتعرضها لظاهرة "الابيضاض"، أي تحولها إلى اللون الأبيض بسبب ارتفاع درجة الحرارة.
 
من أستراليا، نُشر خبر مهم الثلاثاء الماضي، يقول: "التغير المناخي يلتهم "الحاجز المرجاني العظيم" في أستراليا، وظاهرة الابيضاض اجتاحت 91% من الشعاب المرجانية".
 
ولصعوبة الوصول إلى أعماق البحار، فإن غالبية مناطق النظم الإيكولوجية البحرية خارج الملاحظة والمعرفة والسيطرة، تتعرض لمخاطر لا محدودة، خاصة إذا علمنا ما كشفت عنه مديرة شئون البيانات البيئية  "مارسيا كريري"، بمركز العلوم البحرية بجامايكا، وتقول: "إن المحيطات تحتوي على 75% من جميع أنواع الكائنات المعروفة، وهذه البيئة غير مستكشفة، تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم درجة حرارة الكرة الأرضية، وهي المنتج الرئيسي للأكسوجين، والشعاب المرجانية، التي تعد بمثابة “الغابات المطيرة للبحار”، وتتميز بتنوع الحياة الحيوانية والنباتية، بما  يفوق ما تتميز به الغابات المطيرة، وتقوم بتدوير المغذيات من خلال الشبكة الغذائية المعقدة وتوفر الأغذية على جميع مستويات السلسلة الغذائية".
 
والأمر المؤكد، كما يرى خبراء البيئة وعلماء المناخ، أن التخفيف من مشكلة تغير المناخ، هو في ذاته إنقاذ للمخاطر التي تهدد الشعاب المرجانية، التي تشكل فيه الرئة الحقيقية للأرض وما عليها، ويتوقع هؤلاء أن يتجاوز معدل تغير الظروف المناخية قدرة الشعاب المرجانية على التكيف والتعافي، والأخطر هو توقفها عن القيام بوظيفتها البيولوجية التكاملية في إنتاج الأكسجين وامتصاص ثاني أكسيد الكربون.
 
يقول العلماء، إن السلاسل المرجانية تحتاج إلى نحو 10 آلاف سنة لتكوين شعبة مرجانية، وما بين 100 - 300 ألف سنة لتَنضج تمامًا، وأشار تقرير لخبراء الأمم المتحدة، بعنوان "التنوع البيولوجي البحري"، إلى أن المحيط العالمي يرتبط بشكل وثيق، مع الغلاف الجوي؛ حيث يتأثر كل منهما بالآخر، ويرجح الخبراء أن يكون لتغير المناخ، مع ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة نسبة الحمض لمياه البحار والمحيطات، آثار سيئة للغاية لجميع النظم الإيكولوجية البحرية، وخاصة الشعاب المرجانية.
 
ماذا عن محمياتنا البحرية شديدة الندرة، وما هو حالها اليوم، وماذا يحدث أسفل مياهنا البحرية، وهل لدينا فرق عمل من العلماء لاستكشاف الأعماق البحرية وحمايتها، أيضًا لحمايتنا؟ لدينا في مصر 30 محمية طبيعية، غالبيتها مناطق محمية بحرية، تمثل موردًا وموئلًا فائق الأهمية للتنوع النادر للأحياء البحرية، والشعاب المرجانية، وهي محميات: رأس محمد، ونبق، وأبوجالوم وطابا بجنوب سيناء، ووادي الجمال وحماطة بالبحر الأحمر.. لا نتحدث عن التكوينات الجمالية والمناظر الخلابة لهذه المحميات، وهي استثنائية وشديدة الندرة، وتشكل موردًا سياحيًا جيدًا، ولكن الأهم هنا هو احتواؤها على عدة أنظمة إيكولوجية بيئية أهمها الشعاب المرجانية، والكائنات البحرية والبرية، إضافة إلى غابات وأحراش المانجروف الكثيفة، وهي بيئة متميزة، بالغة الأهمية وشديدة الحساسية ونادرة الوجود في وقت واحد، وعندما نقول إن المحميات الطبيعية تعتبر المخزون الإستراتيجي للتنوع البيولوجي والتكيف مع تغيرات المناخ، فإن تدمير هذا المخزون الطبيعي سوف يكون له تأثيرات كارثية على البيئة الطبيعية البرية والبحرية، ولا عزاء للتنمية المستدامة.
 
فقد استحوذ البر والأرض على اهتمامات العلماء، فهل تتجه الأنظار إلى ما هو غير منظور، وهي الأخطر في "أعماق البحار"، وهل تمت عمليات مسح شاملة للشعاب المرجانية في محمياتنا البحرية، لعل علماءنا  يملكون دراسات وعمليات مسح شاملة للشعاب المرجانية.
 
وإذا كانت عمليات حماية هذه المحميات، ضد ارتفاع الحرارة وتغير المناخ، باهظة التكلفة وتحتاج إلى تمويل مالي يدخل في خانة المليارات من الدولارات، فإنه من المناسب، بل ومن الضروري، أن تتعاون معنا وتتكاتف دول العالم المعنية والغنية في مواردها، وأيضًا الغنية في إطلاق غازات الكربون "المتسبب في ارتفاع درجات الحرارة"، أن تتعاون وتساهم في تمويل الحماية لمحمياتنا البحرية، وهو ما قرره مؤتمر الأطراف الأخير في "جلاسجو" العام الماضي.
 
وما أقترحه هو أن نضيف إلى الأجندة البيئية الوطنية، أمام مؤتمر الأطراف المقبل في شرم الشيخ "COP 27"، قضية حماية الحياة البحرية والشعاب المرجانية النادرة والمهدد بالفناء، في محمياتنا البحرية، وأن نسعى إلى وضعها في قائمة "اليونسكو" للتراث العالمي، لكي يتسنى لنا وللعالم أيضًا، حمايتها وإنقاذها من المخاطر المؤكدة، وإدراج المحميات البحرية هناك ضمن المواقع المهددة، فقد اجتمع الزمان والمكان لمبادرة الإنقاذ.
 
ندرك أن إدارة الشأن البيئي في مصر تثابر بوعي وتستمع إلى كل ما يشكل إضافة أو مساهمة للإنقاذ، وهو ما تقوم به وزارة البيئة، لديها ظهير نشط مساند متمثلا في المجتمع المدني ومنظماته، وهي جهود تعمل تحت مظلة من الإرادة السياسية المشجعة لكافة المبادرات الجادة.. فهل تحظى محمياتنا وشعابها المرجانية بالحماية الدولية، بمبادرة "إنقاذ الشعاب المرجانية 2050"، والتي تنعكس إيجابًا، أو سلبًا، على المناخ العالمي.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: