Close ad

"الأوڤر" "فيمينست" !!

6-6-2022 | 11:53

مصطلح النسوية أكثر مصطلح يتردد يوميًا اجتماعيًا وإعلاميًا، وتتباين وجهات النظر في فهمه وتحليله؛ فالبعض يظن أنه يتمحور حول "التعري" أو "الانحراف" أو الحرية الفجة للمرأة على حساب الرجل، فيما ترى الأغلبية - خاصة النسوية منها - أن مثل هذه الكلمة؛ تعني الدفاع عن حقوق المرأة والمساواة مع الرجل دون الإخلال بالشرائع، والعمل على إجراء تعديلات تشريعية في كل ما يتعلق بحق المرأة في جميع المجالات.

وإذا ما حللنا هذا المصطلح وبعيدًا عن الخلاف عليه، نجد أن له توجهات ومرجعيات تفسر نفسها بنفسها بأوجه عديدة؛ فهناك "النسوية الإسلامية" و"النسوية الليبرالية"، و"النسوية الراديكالية"، وكل من هذه الأيديولوجيات، تتبنى مرجعية مختلفة عن مسألة النسوية، لكنها تظل في إطار النشاط على مواقع التواصل، خصوصًا إن غاب رأي المتخصصين.

وارتبط مصطلح النسوية بمصطلح "المجتمع الذكوري"، وتم تعميم هذا المسمى على مجتمعنا كمجتمع ينحاز بطبيعته للرجل على حساب المرأة في العادات والتقاليد، وربما الحقوق والواجبات كموروث شعبي بائد؛ وهو ما استحضر التيار المضاد من باب النسوية أيضًا؛ فيما أُطلق عليه "نسويات التيار الإسلامي"؛ وجدناهن يعارضن مثل هذه التوجهات، خاصة خلال فترة حكم جماعة الإخوان في مصر؛ حيث طفت تيارات نسوية تنحاز لأفكار الجماعة على حساب حقوق المرأة.

ونجد تيارًا ثالثًا في مرمى الاتهامات بالانحراف، وأغلب المروجات له لم يُحسن طريقة الطرح؛ فمنهن من قامت بتصدير بعض الأمور غير الأخلاقية على أنها ضمن الحرية المُطلقة، وهو ما شوه مفهوم "النسوية" الذي لم يُتفق عليه حتى الآن.

لا ننكر كَون المؤسسات الرسمية والخاصة العاملة في مجال المرأة أكدت جميعها أن تعاملها مع حقوق النساء يأتي كجزء من حقوق الإنسان والمواطنة دون تمييز؛ مُستندة إلى أن الحركة النسائية في مصر تعود لعقود طويلة في العصر الحديث، كانت للمرأة مكانة ربما لم تصل إليها في الوقت الراهن، بدءًا من الملكة حتشبسوت التي حكمت البلاد لمدة عشرين عام، حتى نموذج هدى شعراوي مؤسسة الحركة النسائية في العصر الحديث، والتي كان لها دور كبير في انخراط المرأة في المشهد العام بعد ذلك.

غير أن مصطلح "فيمينست" قد تم استخدامه الآونة الأخيرة بتطرف دون تمييز، من قِبل بعض الشخصيات غير المسئولة؛ مما جعله في تشابه مع مصطلح "التطرف الديني" الذي لا يعبر عن جوهر الدين؛ فتصدير فكرة المساواة بين المرأة والرجل تتم بشكل خاطئ على الرغم من أنه لا خلاف في مجتمعنا على مبادئ المساواة تحت مظلة القيادة الرشيدة التي حرصت وما زالت على حقوق المرأة؛ بل أصبحت أولوياتها موجهة للمرأة بتقليدها المناصب العليا، وبالعمل الجدي نحو تعديل قوانين الأحوال الشخصية التي لم تُنصفها سابقًا في الطلاق والحضانة، بالتوازي مع تغليظ عقوبات الأذى الجسدي وتشديد القوانين الخاصة بالتحرش والاغتصاب.

لكن كثرة مصطلحات الفيمنيست والنسوية ربما أثار الريبة، وأسس لنزعات عنصرية في مجتمعنا، خاصة أن الدفاع عن حقوق المرأة يجب أن يكون في الإطار السليم عبر القنوات والآليات المشروعة والأعراف التي تختلف من مجتمع لآخر، بما لا يمثل تعديًا على حقوق المرأة ولا انحرافًا خارج التقاليد الحميدة والأديان السماوية، وهو ما أُخِذ على العديد من المؤسسات غير الحكومية في مجال دعم المرأة وانتشار الصفحات والمجموعات على مواقع التواصل في إطارٍ موازٍ، ربما يحمل توجهات غير رسمية أو غير مؤطرة بشكل دقيق.

لذا نهيب بالمجلس القومي للمرأة والقائمين عليه بضرورة التعريف الجيد بجوهر القضية وعرض الأهداف بصورة خادمة للمجتمع وللأسرة المصرية، مع غرس مفهوم حقوق المرأة في الفتيات، وتوضيح الفرق بين حقوق المرأة والتحرر ومعاداة الرجل، والتوجيه لبعض المجموعات المتواجدة على السوشيال ميديا ذات التأثير السريع بعدم تسييس الأمر، ووعدم استخدامه من أطراف ضد أطراف، وهنا نُثمن جهود هذا المجلس في وأد ثقافة التمييز ضد المرأة ومناهضة العنف بكل أشكاله وأنواعه، ونقدر برامجه التوعوية والتثقيفية على مستوى المحافظات كافة، وذلك لتغيير المفاهيم المغلوطة والعادات والتقاليد التي تعمل ضد استقرار المرأة ودعمها، وهو ما لمسناه في تجريم الختان وتغليظ عقوبته حتى على الأهل قبل الفاعل الحقيقي، وهو ما يُعد انتصارًا للمجلس القومي للمرأة.

مصطلح النسوية أو الفيمينست ليس جديدًا، بل هو متداول في الغرب منذ القرن التاسع عشر، وظهر في مصر تدريجيًا منذ أحداث ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، ثم انتشر على نطاق واسع، ولكن في الفترة الأخيرة سيطرت النزعة الفردية في تبني هذا التوجه، بمعنى أن بعض النسويات أساءت التعبير والتوجيه، بدءًا من الكتابة باستمرار عن حقوق المرأة، أو بمهاجمة الرجال على طول الخط دون تقديم حلول فعالة ملموسة، أو بتوجيه وقولبة أي قضية على الساحة نحو حرب بين ذكر وأنثى، واتباع حوار تراشقي يستفز المتابع للأحداث ويؤجج التحفز عند معشر الرجال.

وهنا لا نستثني خطأ الإعلام بانجرافه نحو عرض نماذج من المرأة المقهورة على شاشاته بإسهاب، والذي بالتبعية نقل صورة مغلوطة خارجيًا لمجتمعنا؛ وهو ما دفع المجلس الأعلى للإعلام إلى إصدار ميثاق يلزم الإعلاميين بضرورة تحري الحقائق وعرض الحالة بدون انتقاص من قدر المرأة؛ حرصًا على عدم تحويل مصطلح الحركة النسوية إلى حرب من شأنها جعل الغالبية غير متقبلة للمصطلح من زاوية الصورة المغلوطة عن الفيمنيست ؛ حيث يحاول البعض اجتزاء التصرفات أو الحديث وتصديره بأنه هذا هو جوهر النسوية، وأن شعار تلك الحركة هي معاداة الرجل.

مصر التي نسعى إليها هي مصر البناءة لا الهدامة للأسرة وللمجتمع، هي مصر اليد الواحدة رجل وامرأة، كل بحقوقه وواجباته الإنسانية، فقط يحتاج الأمر إلى تهذيب أسلوب الخطاب والطرح؛ من أجل خدمة المجتمع بأكمله.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: "نظرة على الانتخابات الفرنسية"

منافسة قوية ومواجهة ساخنة بين إيمانويل ماكرون ومنافسته في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان ، اتخذت المواجهة طابعًا إعلاميًا قويًا

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية

د. شيرين الملواني تكتب: "عن رُهاب الشعوب"

إذا ما صادف مواطن فرنسي آخر ألمانيًا في شوارع باريس، ستجد عدم ترحاب وتحفز بين الطرفين عند التعامل فيما بينهما، أما إذا تحاورت مع فرنسي سياسيًا وذُكر لفظ ألمانيا أمامه؛ فلن تشهد سوى الامتعاض على وجهه

الأكثر قراءة