Close ad

الذكاء الاصطناعي والإنسانية

5-6-2022 | 16:06
الأهرام المسائي نقلاً عن

 ما الذي يمكن أن تفعله حيال مجتمع يعيش فيه أكثر من مائة وخمسين جنسية مختلفة اجتمعوا في بقعة تقل مساحتها عن مائة ألف كيلومتر. لكل منهم طقوسه ومناسكه الخاصة. المسلم مُخَضَب اللحية بالحناء، والمسيحي بالصليب على صدره، واليهودي بالكيباه على رأسه، والهندوسي بعمامة أشبه بقشرة حبة فستق.

يكفيك قانون فاعلٌ ناجزٌ. وأذرع تنفيذية محايدة.

حولت التكنولوجيا بَوَادِي الإمارات برمالها وهجيرها إلى تاريخ تحبسه اللوحات، وعادات تتعاقب في المواسم، وحكمة أجداد حفظها الأحفاد في صدورهم ومضوا -على هديها- يقيمون حضارة جناحاها العلم والفن ووقودها نظم التحكم الإلكترونية.

منحنا الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات عمالاً افتراضيين ذوي كفاءة عالية يُعتمد عليهم ولا يتغير ولاؤهم. يعززون دور الدولة. ويتكفلون بالمهن المملة المهمة؛ ضبط حركة السير في الشوارع. دخول وخروج المسافرين في المطارات. اكتشاف الحالات المرضية المعدية. المعاملات التجارية. وأيضًا عسكري دَرَج يسهر على راحتك، متأهب لإطلاق صيحته الشهيرة بلهجة ريفية رائقة (مين هناك)، يردع بها كل شيطان مريد.

في المجتمعات التي تخشى فيها طبقات المنتفعين تهميش دورهم وتآكل مداخيلهم غير الرسمية، تواجه نظم المعلومات الإليكترونية تحديات جمة، إذ لن تكون هناك حاجة إلى سمسار يتوسط بينك وبين الموظف المختص لإنهاء الإجراءات في سلاسة وسرعة لقاء مبلغ معلوم، ربما يفوق ثمن الخدمة، ويندرج تحت فرع الاقتصاد الأسود.

سمح دمج الإنترنت مع قطاع الخدمات إلى ظهور فضاءات افتراضية عديدة. عقد المؤتمرات، خدمات النقل الذكي، الفحص الطبي والتعليم عن بعد، إنشاء الشركات واستخراج الوثائق الرسمية، الحراسة والتأمين، الخدمات الفندقية، وغيرها.

مضي زمن صندوق الشكاوى المصلوب على جدران المؤسسات الحكومية الكالحة. تحول الهاتف إلى جواز مرور. تلهو شلالات المعلومات المتتابعة دون كلل بزورق قلة الحيلة والارتباك.

أصبحت كل نقرة "زِر" مصدرًا لمعلومة تحللها خوارزميات بالغة التعقيد وتتخذ نيابة عنا القرارات اللازمة. عالم رقمي يترصد مواقع التصفح التي نعبرها سريعًا، وتلك التي نتلكأ عندها للاستفسار، وأخرى نغوص ونستقر فيها.

يرصدُ "رقيب عتيد" سلوكنا قبل فعلنا، فيلقي في طريقنا -بعفوية بالغة- ما يهمنا من موضوعات، فإذا انصرفنا عنها لبعض شأن، حفظها في ذاكرة لا تضلُ ولا تنسى. بأيدينا ومشاعرنا ندون حكاياتنا على جدران الذاكرة الرقمية.

تغير مفهوم سرية البيانات. انتقلت فضاءات العديد من الدول المتقدمة إلى آليات بناء "البيانات الضخمة Big Data"، في الوقت الذي ما زالت تتعثر فيه كيانات أخري عند جمع وتدقيق بياناتها. لكم نحتاج أن يعيد خبراء الوثائق والمعلومات تعريف مصطلح "بيانات سرية" بمستوياتها كافة.

وفي الغد القريب، لن يكون هناك ثمة وجه للمقارنة بين تفاعلنا اليوم مع الأجهزة الرقمية الذكية وما سيكون مع "إنترنت الأشياء Internet of Things"، معجونًا بالذكاء الاصطناعي. للأسف، ستزيد مساحات التفاعل وتصبح أكثر عُمقًا بيننا وبين تلك الأجهزة، وتتقلص بيننا نحن البشر.

نستأمنها على أسرارنا. نزرعها في زوايا المنزل –ضاق أو اتسع- وفي جنبات المكاتب وعلى طول الطرق. في طاولات الطعام والأطباق والشوك. ولا أبالغ إن قلت إننا سوف نرتديها ثيابًا تولف نفسها على درجة حرارة الطقس فتصلح صيفًا وشتاءً. تتابع آخر صيحات الموضة العالمية فتفاجئنا في الصباح بقَصَة رياضية أبدعها (كالفين كلين)، وفي الأمسيات الحالمة بدلة أنيقة بتوقيع (إيف سان لوران) تتناغم مع طاولة عشاء تتوسطها شمعة حمراء مجدولة تذوب عِشقًا.

بقدر توغل الذكاء الاصطناعي في نظم الإدارة ترتفع مستويات الكفاءة والفاعلية، وبقدر انحساره عن الجوانب الإنسانية وزيادة اعتمادنا على تعاملنا المباشر –وجهًا لوجه- نسمو في رحاب الحق، الخير، والجمال.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة