Close ad

الحكومة والمثقف والشعب!!

4-6-2022 | 11:24

العبء الأول يقع على عاتق الحكومة ممثلةً في (وزارة الثقافة) لوضع الأطُر المناسبة للحركة الثقافية، بينما يقع العبء الأكبر على المثقفين لا في تشكيل وعي الجمهور؛ لأنهم ليسوا أوصياء على أحد، وإنما في عرض وجهات نظرهم وطرح آرائهم أمام الناس، أما تشكيل الوعي فيحدث من خلال تفنيد تلك الآراء ليختار منها الرأي العام ما يناسبه ويستريح له، ما معناه أن الحركة الثقافية تتشكل من التفاعل بين هذا الثالوث: الحكومة، المثقف، الشعب.
 في مصر مرَّت الحركة الثقافية بعدة أطوار، وكان للتحزب السياسي دور لا في تشكيل الوعي العام، وإنما في تشكيل وعي المثقفين أنفسهم، بحيث تحولت الثقافة ذات الدور التوعوي إلى ثقافة ذات دور سياسي، وكانت أخصب فترات النشاط الثقافي المؤثر هي فترة مقاومة الاحتلال البريطانى، إذ ظهر جيل من المثقفين قادوا حركة الثقافة بعد جلاء الإنجليز، ورأينا في أعقاب ثورة 52 جيلًا من الفنانين والمطربين والروائيين والشعراء والمخرجين لم يأتِ مثله، كان جيلًا متميزًا ما زال صدى تأثيره مستمرًا حتى يومنا هذا.
 اليوم لم يعد كالأمس.. لقد اختلف المشهد العالمي كلِّيًا، بحيث باتت الثقافة تلعب أدوارًا أخرى ليس من بينها تشكيل الوعي العام، وفي حوار مع الشاعر المصري (د.أحمد مستجير) يؤكد أن دور الرقيب في الحياة الأدبية انتهى في ظل العولمة والثقافة الرقمية والتعددية المعرفية؛ ما معناه أن تشكيل الوعي العام لم يعد مهمة أحد، لأن الوصاية على العقول لم تعد ذات جدوى.
 نحن اليوم في خضم عولمة ثقافية لن يفلح فيها سوى من كان على مستوى التنافس الثقافي العالمى، لقد حلت التنافسية والتعددية محلّ الثقافة الموجَّهة، وبات الأمر محض استثمار يخضع لآليات السوق، اليوم نحن نشهد (طَورًا) جديدًا من أطوار الثقافة العالمية، الأمر الذي يتطلب من ثقافتنا العربية أن تلعب ( دورًا) مختلفًا عما كانت تلعبه بالأمس القريب أو البعيد.
التقليدية.. والتهيب من الغد
 مازلنا نعيش في الماضي، ونخشى اتخاذ خطوات جادة إلى المستقبل، الغرب وصل للمستقبل بالفعل، فمتى نلحق بهم؟
 من سمات الشخصية الغربية -طبقًا لكتب علم النفس- أنها شخصية ابتكارية تهوى المغامرة، فهل مشكلتنا أننا ما زلنا واقفين متشبثين بأماكننا لا نريد التحرك لا إلى الغرب ولا إلى الشرق ولا الأمام؟!
الدول لها شخصيات كما للناس، وهنا في مصر اعتدنا بحكم رسوخ أقدامنا في الأرض واعتمادنا على حرفة الزراعة آلاف السنين، أن نرتبط بهذه الأرض ونعتبر الترحال والهجرة والابتعاد، ولو بحثًا عن الرزق، جحود ونكران، هل أخطأْنا أننا لم نتصل بالغرب اتصالًا حقيقيًا، وأننا لم نتصل ببعضنا البعض كبلاد عربية اتصالًا كافيًا؟
 لدينا مشكلات راسخة في نظم العمل والإدارة في بلادنا وهي مشكلات متكررة، كالروتين والبيروقراطية واللامبالاة والتكاسل والانفراد بالرأي وعدم القدرة على التعاون والاندماج في عمل عام، فهل هذه المشكلات حدثت بسبب الانغلاق والتقوقع والابتعاد عن الركب العالمي؟ ماذا لو حدث الانفتاح على الآخرين، ماذا لو حدث تواصل حقيقي بين ثقافاتنا القديمة والحديثة، وبيننا وبين ثقافات العالم، وأعني التواصل المستمر الدائم الذي يحقق التآلف والتفاهم؟
..الصين كانت دولة منغلقة محصورة داخل مشاكلها القديمة وصراعاتها الداخلية والخارجية، حتى قررت الانفتاح على العالم.. تتحرك بحذر، لكنها تتقدم، فماذا كانت النتيجة؟ إنها اليوم صاحبة أسرع نمو اقتصادي في العالم، وصاحبة أقوى ثالث جيش في العالم، وهي أكبر ثاني اقتصاد بعد أمريكا.
ونحن لدينا مشكلات قديمة كالصين، وما زلنا منغلقين داخل ذواتنا، فمتى نخرج من شرنقة الخوف من الغد؟ ومتى نبدأ في الفكاك من أغلال الروتين والتقليدية والبيروقراطية؟
 
المومياء المحنطة
ربما آن الأوان أن نعترف بواقع الأمر.. واقع الثقافة اليوم.
ما نمر به ليس أزمة عابرة، ولا هو حالة أو ظاهرة وقتية عرَضية قد تذهب بذهاب أسبابها، إننا أمام وضع سَيِّئ متفاقم منذ عقود، وقد تحول الآن إلى شكل متكلس متيبس جامد لا حياة فيه، كأن الثقافة تحولت إلى مومياء محنطة لا تصلح حتى لمجرد العرض المتحفي.
بماذا أبدأ؟ بأروقة المؤسسات الثقافية التي باتت كالدواوين الحكومية ذات الأداء الروتيني الفاتر البطيء إلى حد مثير للنوم؟ أم بأداء وظيفي ثقافي خال من أي حماس أو رغبة أو طموح لأي شيء؛ لأنه بالفعل لا ينتظر سوى راتب شهري ثابت يتم إعطاؤه مقابل اللاشيء الكبير الذي يقوم به موظفون لا يفعلون إلا بضع حركات روتينية يومية كأنهم آلات علاها الصدأ وتسرب منها زيت الحركة.
الأمر جد خطير، والمدهش أن الثقافة لا بواكي لها ولا يرى أحد فيها شيئًا يستحق الإنقاذ! رغم أن الثقافة هي كل شيء جميل فينا: التراث والفنون والآداب؛ بل هي حياتنا اليومية ذاتها بكل ما فيها من مأكول وملبوس ومحسوس، الثقافة هويتنا التي نتهرب من الاعتراف بها أو فهم حقيقتها وجوهرها.
إننا حقًا أمام جيل كامل لا يمكن أن يذكره تاريخ الثقافة بخير إذا ظل على ركوده وإصراره على هذا الركود والكساد والفتور، أدخل أي مركز شباب أو قصر ثقافة في أي مكان في أي وقت يعجبك وصف الوضع الذي تراه ولن يسرك.
 لقد أدهشني ما سمعته مؤخرا من أحد مسئولي قصور الثقافة متفاخرًا بأنه متواضع إلى حد التجول في أنحاء الصعيد ومجالسة شعراء ومدّاحي المقاهي، فقال لرواد المقهى من مثقفي شعب الصعيد: لو أنكم جلستم نفس الجلسة في قصر الثقافة ألم يكن أنفع وأجدى؟ فسألوه في استنكار: أتقصد ذلك المبنى البعيد المظلم؟ المقهى بالتأكيد أفضل.
ماذا يُنتظَر من مثقفين ومسئولين لا يستطيعون مجرد الترويج لبضاعتهم الكاسدة؟! ربما تندهش أو تنزعج إذا حانت منك نظرة سريعة لمخازن الكتب في هيئات وزارة الثقافة، وتتساءل عن تلك السياسة التحريرية التي تدفع بالمطابع لنشر كتب (مؤلفة أو مسروقة!!) لا تُقرأ رغم أنها تباع بأسعار رمزية، أي بالخسارة. ورغم هذا تظل تعود للمخازن في كل نوبة عرض، إنه إصرار على الخسارة وإهدار للمال العام، لا أدري ما يُفعل بآلاف الأطنان من أوراق تحبرها المطابع وتكدسها في المخازن ثم لا يغدو لها نفع سوى أن تُشوَى في مدافئ المسئولين عن تلك الكوارث الاقتصادية والمعرفية.
هل حقًا عدمنا الإبداع والمبدعين؟ قطعًا لا، لكننا عدمنا الضمير والطموح، إنها أزمة مسئولية لا يريد أحد أن يتقدم لإنقاذها أو أخذها على محمل الجد.
دعك من الفعاليات السنوية المعتادة كالمهرجانات والمؤتمرات والندوات والمسابقات، وآخرها مؤتمر (عشرينيات القرن العشرين).. كلها أنشطة تأتي وتذهب دون أن تقدم ولا تؤخر. إنها ميزانيات مقررة يتم وضعها في إطارها المرسوم سلفًا للإيحاء بنشاط ثقافي زائف لا يسمن ولا يغني من جوع، الشعب جائع للكلمة الحقيقية التي تواسيه وتمسح أوجاعه، للفن الراقي الجميل الذي يزيل آثار القبح والحزن والألم، جائع للتعبير عن همومه بفنون تراثية اندثرت أو كادت تندثر بموت مبدعيها من فناني الشعب البسطاء كمدًا وقهرًا.
إنني أشفق على هذا الجيل سيئ الحظ. وربما كان الأمل معقود على الجيل القادم؟ فهل سيكون القادم أفضل مما سبق؟ أتمنى هذا.
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة