Close ad

تغريدة العجوز الماكر قبل الرحيل

1-6-2022 | 10:51

نحن فى الشرق، خصوصا فى مصر، نعرف من هو هنري كيسنجر عمليا، أكثر مما يكتب عنه، أو ما يقوله الإستراتيجيون، فهو من السياسيين الكبار، وهو ليس من الانتهازيين أو الميكافيليين، لكنه من أصحاب العقول الكبيرة التى أنجبتها البشرية فى عالم السياسة، وأتطلع أن يفهم العالم فى الشرق وفى الغرب ما قاله كيسنجر، لأن له ما بعده وليس ما قبله، وهو الإستراتيجى الواقعى، الذى لا يتخطى المثالية، بل يضعها كعنصر فى حساباته، فهو صانع فكرة دمج الصين فى النظام العالمى، وهذه تعنى أنه عقلية فذة، لأن الصين أكثر من ثلث العالم، وإذا تركت دون تنمية أو تطور وتعاون، وإذا تقدمت أو انهارت، فإن البشرية كلها ستواجه صعوبات ومشاكل جمة لا يستطيع أحد مواجهتها.
 
نحن فى حاجة إلى حل الأزمة الأوكرانية أو الحرب فى أوروبا، وقد قدم كيسنجر حلا، لعله لن يرضي الأوكرانيين أو الرئيس زيلينسكي، الذي نحترم نضاله من أجل بلاده.
 
لكن البشرية والإنسانية لن تنسى أن أوكرانيا وروسيا شقيقتان، وأولاد عم، وأنهما لا تستغنيان عن بعضهما بعضا، كما أن أوكرانيا وبيلا روسيا، كما قال كيسنجر، جزء لا ينفصل - ولا يجب - عن أوروبا، بل هما جزء أساسى منها، لحفظ التوازن والاستمرارية لهذه القارة العجوز، وللعالم كله، كما أن الحل الأمريكى والغربى المسيطر الآن هو إهانة روسيا، أو أن تخرج من هذا الصراع مهزومة مهمشة، وهذا حل لن يرضي، ويجب ألا يرضي أوروبا، أو أوكرانيا، أو دول الشرق الأوسط.
 
روسيا (المجروحة) ليست فى مصلحة أحد، كما أن هذا الصراع لن تخرج منه روسيا أو أوكرانيا منتصرة، وحل كيسنجر هو الحل السحرى الذى يجب أن يرجع إليه الجميع فى أمريكا، وأوروبا، وأوكرانيا، لإنهاء النزاع وبدء السلام، وأن تعود أوكرانيا إلى الحياة من جديد.
 
كيسنجر ليس أول مرة يتعرض للشتائم والهجوم من داخل بلاده، ومن أوكرانيين، لكن الرجل الذى منحه الخالق عقلا جبارا وعمرا مديدا، لم يمنحه ذلك عبثا، ويجب دراسته والتفاعل معه بعمق، فهو ليس سهلا، إنما هو استراتيجي وسياسي من الطراز الخطير، ولا أقول العتيق. فهو ليس عقلا من القرن العشرين، بل عقل لكل العصور.
 
يكفى الغرب انتصاره بتفكيك الاتحاد السوفيتى وبمشاركة روسيا فى هزيمة النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية، ومعاقبة الاتحاد الروسي يجب ألا تكون هدفا للغرب ولأوروبا، لأنها تؤذي نفسها قبل أن تدمر النظام العالمي كله.
 
«التوازن الروسى مع الأمريكى مع الأوروبى، يمكن أن يهذب الاندفاع الصينى، أنتم فى الغرب فى حاجة إلى روسيا المتوازنة، أكثر من حاجتكم إلى روسيا المهزومة أو المنبطحة».
 
قالها العجوز كيسنجر وهو على مشارف المائة، وسوف تتذكرونه طويلا بعد ذلك، وتدركون أنه لن يقولها أحد مرة ثانية، إعادة هندسة الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية يجب أن تكون فيها روسيا الشريك الأكبر وصاحبة الرأي الأول.
 
هكذا كشفت مواقع الجغرافيا السياسية، وخنادق التاريخ العصية، يا أهل أوروبا، يا أهل أمريكا، يا أهل الغرب، والشرق العربي، تحركوا لتساعدوا روسيا لتخرج من هذه الطاحونة غير مهزومة أو منكسرة، فأنتم جميعا تفتحون شهية هذا الوطن العظيم إلى ما لا تدركون عواقبه، روسيا ضحت من أجل العالم، الروس انتصروا للغرب، الأوروبى فى الحرب العالمية وأوقفوا الطواغيت.  
 
قد يكون بوتين مخطئاً، لكن من منكم لم يخطئ؟ من منكم لم يفجر ينابيع الخطأ وشرايين الخوف؟
أخطأ بوتين، لكنها الخطيئة التى يجب جميعا أن تتعاونوا لدرء مخاطرها، أو استمرارها على الغرب أولا قبل الشرق، سلاما لكم ولنا، وتحية لهذا العجوز الذى تصورنا أنه ذهب بعقله إلى عالم النسيان، فأراد الخالق أن تكون له تغريدة لحل أزمة أوروبا، وهي حل سحرى.
 
انتبهوا، ولا تأخذكم العزة بالإثم، فنحن جميعا فى حاجة إلى سلام حقيقى، لا يشعر فيه القوي بالإهانة أو الهزيمة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
30 يونيو أنقذت مصر والمنطقة العربية

تاريخان يحملان لمصر والدولة الحديثة والعالم العربى. إشارة إنقاذ وملحمة متكاملة وإلهاماً للحماية من الضياع والهزيمة.

مقترحات بايدن

من لا يدعم أى جهود لوقف الحرب على الشعب الفلسطينى فى غزة، فهو يرتكب جريمة أو جناية فى حق الإنسانية، وفى حق أهل القطاع الذين يعانون الجحيم بعينه.

المشهد في الشرق يزداد تعقيدًا

الضحايا يسقطون فى متوالية هندسية فى الأراضى المحتلة وحولها، وإسرائيل لا تدخر جهدا، لكى تجعل الحياة فى الشرق الأوسط مستحيلة، وليس فى غزة وحدها التى أصبحت

الأكثر قراءة