آراء

عمالقة وأقزام!

28-5-2022 | 14:30

إذا بحثت عن حقيقة مؤكدة فى التاريخ، فهى أن له آلاف الزوايا والمعانى والوجوه! وأن كل موقف تاريخى له ألف دلالة وتفسير، وألف ألف راوٍ.. كلهم يري التاريخ كما لا يراه الآخرون!

ورغم ذلك فهو من أهم علوم الأرض.. والذين يجيدون قراءته يطوعونه لتطوير الإستراتيجيات العسكرية، وسياسات الدول.. فالدرس الواحد من دروس التاريخ، يساوى مائة عام، وألف عقل!

ولا بد لشباب اليوم المدلل، أن يتعلم من شباب الأمس الجاد، ولا أنكر أن شباب اليوم مسكين ضعيف، وأن ضَعفه هو أحد مضاعفات العلم الحديث.. وأن التقدم العلمى قدم له عشرات الوسائل للتسلية والتسرية والتلهية والعبث. ولا أنكر أن شاب الأمس رجل صغير، وأن رجل اليوم طفل كبير! ولكن الإنسان هو الإنسان فى كل عصر وحين.. وإرادته تعلو على ضعفه، وإيمانه على انهزامه، وقوته على أى إحباط.

أما حقيقة أن "التاريخ يعيد نفسه" تثبت صدقها يومًا بعد يوم، وتـُعلمنا أن المسافات بين الأيام أقصر مما نتصور.. وأن القرن كاليوم، والدهر كالساعة، وأن العمر ينقضي كأنه لحظة! ثم يأتي التاريخ ويكتب كل هذا فى كلمة وسطر.

وهذا الشعور قد ينتابك إذا رأيت فيلما ً سينمائيا ً مليئا ً بالطرابيش والأزياء الخديوية والعمائم المملوكية.. وترى الأحداث تجري أمامك كأنها أحداث الساعة.. وتشعر أن التاريخ لم يعد تاريخا ً، وأن الماضى ليس بعيد ً جدا ً كما كنا نظن.. حتي عيوب التعليم وعيوبنا ما زالت تكرر نفسها وتتجدد بإصرار غريب.. فاليوم هو توأم الأمس، لا يميزه عنه سوى زى براق خداع!

فمثلا يقال إن العقاب والضرب والتعنيف ثوابت تقرأها فى كل نظم التربية القديمة.. والطالب المصري القديم كان يـُضرب ويجلد ويسجن وقد يطول به السجن إلى ثلاثة أشهر كاملة!

كان هناك إجماع واتفاق بأن القسوة والعقاب جند من جنود التربية والتهذيب، وأن ثمة نوع من الخلل واعوجاج السلوك لا ينفع معه لين أو تحايل.

ورغم هذه القسوة فى نظام التعليم المصري القديم، صنعوا لنا حضارة باهرة، وهندسة معمارية مذهلة.. أو ربما بسبب هذه القسوة نفسها صنعوا هذه الحضارة !
 
والذى يريد أن يصنع بطلا ً رياضيا ً من طفل صغير، فهو يشتد عليه ويقسو فى التدريب والتوجيه والعقاب.. والأب الذى يحب ابنه، ينفرد بالمدرس ويهمس له بأن يعلمه ويضربه.
 
ولهذا فإن الفلاحين كانوا يدفعون بأبنائهم للتعليم رغم هذه القسوة. طمعا ً فى مستقبل أفضل بعيدا ً عن الحدادة والفلاحة وكل الأعمال اليدوية المرهقة..

كان الطالب في مصر القديمة يبدأ دراسته فى الخامسة وينهيها عند سن (16) أو (17) سنة.. ويتعلم الكـتابة والأدب والعلوم والفنون الصناعيــة، وهى كثيرة جدا ً.. والذى يريد أن يصبح كاتبا ً لا بد أن يتعلم لغات أجنبية ليتمكن من كتابة الخطابات والمراسلات الملكية للدول الأخرى.. وبعد أن ينتهى الطالب من الدراسة يقضي سنتين فى التدريب العملى واليدوى، ويتقاضى عنها أجرًا.

وبعض الطلبة يفضل أن يستكمل دراسة اللاهوت ليلتحق بالعمل الكهنوتى ذى المنجم الذهبى !! وفيما بعد  - فى عهد البطالمة - بدأ نظام الكتب المدرسية.. أى أن يكون المنهج مكتوبا ً ومتاحا ً للطالب، فلا يغدو أمامه أى عذر للتنصل من إتمام حفظ هذا العلم السهل حفظا ً تاما ً كاملا ً.

الفارق بين مدارس اليوم ومدارس الأمس البعيد فارق كبير..  تماما ً كالفارق بين أجدادنا العمالقة وبين أحفادهم الأقزام - أعنى نحن.

فما القوة التى كانت عند أجدادنا ولم تعد عندنا؟ وهل نحن أذكى أم هم؟  أو هل هم الضعفاء أم نحن؟  و أى علم أرقى: العلم الذى صنع الصينيون به سورهم، أم العلم الذى صنعنا به القنبلة الذرية والهيدروجينية والبارود والموت؟!

بل السؤال: أى علم أنفع.. الذى نتعلمه ثم نلقي به فى صناديق القمامة، أم الذى تعلموه وصنعوا به أشياء أسميناها معجزات؟!!
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
إفريقيا.. قارة الأحلام

إنها ثانى أكبر القارات مساحة (30 مليون كم2) بعد آسيا بما يعادل 12 مليون ميل مربع وبعدد سكان يتجاوز مليار نسمة. وبموارد طبيعية هى الأعلى لدرجة أنها صارت

الحكومة والمثقف والشعب!!

العبء الأول يقع على عاتق الحكومة ممثلةً في (وزارة الثقافة) لوضع الأطُر المناسبة للحركة الثقافية، بينما يقع العبء الأكبر على المثقفين لا في تشكيل وعي الجمهور؛

عبد السلام فاروق يكتب: فوازيرجي برنجي!

المخرج العبقري (فهمي عبدالحميد) خريج الفنون الجميلة الذي تتلمذ على يد فنانَي الرسوم المتحركة الشهيرَين: (حسام وعلي مهيب)، كان رائدًا في ابتكار فكرة فوازير

عبدالسلام فاروق يكتب: عن زمن البدايات

فى هدوء وثقة، يتحرك تيار ثقافي جديد قديم يحمل بشريات صنف أدبي أثير لدى الجمهورين العام والخاص، ينحدر في إصرار.. يتدفق عبر قنوات رفيعة ضيقة بين أنهار هادرة من الكتب والروايات والقصص التي تستهوى الشباب

عبدالسلام فاروق يكتب: الأمية الثقافية وباء العصر!!

الأمية الثقافية وباء خطير متفشٍ من أوبئة العصر.. ومكافحة هذا الوباء لا تقل أهمية عن مكافحة كورونا وأمثاله من أوبئة تستهدف الأبدان، فيما تستهدف الأمية عقل الأمة وبنيانها الفكرى

مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة