منوعات

العمر الضائع وأنياب الندم

25-5-2022 | 15:15
العمر الضائع وأنياب الندمحكايات من الواقع
خالد حسن النقيب

ربما كنت شابا فى مقتبل العمر ولكنى أعيش بقلب رجل عجوز أكل منه الدهر وشرب فقد شاءت الأقدار لى حياة قاسية إلى حد العذاب أتجرع مرارتها من أقرب الناس لى والدى الذى لم أستشعر منه حنان الأب يوما، فكرت كثيرا فى أنه يكرهنى ويرى أنى شؤم عليه فمقدمى إلى الدنيا كان على حساب أمى التى دفعت فاتورة وجودى فى هذه الدنيا حياتها، ماتت أمى وهى تلدنى فحملنى والدى وزر موتها فما رأيت منه غير القسوة.

حتى عندما تزوج ورزقه الله بالبنين والبنات لم يغير معاملته لى .. كنت أراه يحنو على إخوتى بقلب الأب ورحمه من دونى فتشتعل نيران الحرمان فى قلبى يتما ووحدة.

عشت فى الدنيا وحيدا يتوحش الخوف فى صدرى وأصرخ مزعورا حتى يتلاشى الصوت منى أمام لكمات والدى وصفعاته الموجعة على وجههى.

كانت زوجته تشفق على أكثر منه .. تنهره .. تقول له كيف تضرب صغيرا يصحو من نومه مزعورا ؟ هل ضاعت الرحمة من قلبك ؟

ربما كان لشفقتها هذه شعاع نور يمتد من مشكاة رحمة الخالق بعباده يستقر فى قلبها وهى ليست أمى، تعطينى مصروفا كأبنائها وأبى يحرمنى، لا تفرق فيما تعطيه لأولادها وما تعطينى غير أنها لم تستطع أن تثنى والدى عن قراره بإخراجى من المدرسة قبل أن أكمل دراستى الثانوية .

أخرجنى أبى إلى الشارع صغيرا أطرق أبواب الرزق صبيا فى ورش الميكانيكا وإصلاح السيارات لا يبالى من شىء غير أن يأخذ منى " شقا " الأسبوع بضع جنيهات لا يترك لى منهم غير ما يكفى بالكاد طعامى طول النهار .

رغم السواد الشديد فى عينى لكنى كنت أتطلع لنقطة ضوء تتراءى من بعيد تبعث فى قلبى الأمل انتظارا لغد أفضل .

مرت الأيام ثقيلة قاتمة ليلها سهاد ونهارها كد وشقاء حتى انقضت سنوات البراءة والصبا .. اشتد ساعدى وبت أسطى ميكانيكى بل واستطعت أن أنعزل عن والدى وجبروته وأعيش حياته دونا منه وقسوته .. مهدت لنفسى بيتا وعمرته بالزواج من فتاة كانت ترياقا لنفس تسممت حرمانا ويتما عبر سنوات العمر الضائعة .

جمعتنا قسوة الأيام ووحشة الشارع فقد كانت تعمل فى محل لملابس السيدات، وحيدة أمها تجرى عليها بعد وفاة الأب .

و برغم يقينى من موقف والدى دعوته لمباركة زواجى وأن أتشرف به أمام عروسى فما كان منه إلا أن طردنى من بيته وقال إنه لفظنى من حياته عندما انعزلت عنه وقطعت عنه الراتب الذى كنت أدفعه له أسبوعيا من عملى فى الورشة .

لم يكن غريبا على موقفه فهناك ما هو أكثر من الظلم نفسه قد فعله معى عندما حرمنى من ميراثى عن أمى رحمها الله واحتسبت حقى عند الله مفوضا له أمرى .. ولكنى قررت فى ذلك اليوم أن لا أريه وجهى مرة ثانية واعتبرت أنى يتيم الأب والأم معا .

عشت حياتى بروح الأمل أشعل النهار عملا وكدا حتى امتلكت ورشة خاصة بى وتيسرت أحوالى المادية وأدخلت أولادى مدارس خاصة لا أحرمهم مما حرمتنى منه الأيام .. ونسيت عبر سنوات مضت والدى وقسوته حتى أشقائى نسيتهم فلم يكلف واحد منهم نفسه أن يسأل عنى أو عن أولادى .. كأن القدر الذى أراد لى الشقاء فيما مضى من عمر يأبى أن يغادرنى شقائه ويعيد لى كأس العذاب أتجرعه من جديد فقد جاءتنى زوجة أبى تطرق بابى لأول مرة .. لم تأت زائرة ولكنها أخبرتنى بأن والدى افترشه العجز طريحا بعد تعرضه لجلطة بالمخ أفقدته القدرة على الكلام والحركة وفى حاجة لعلاجات شهرية باهظة التكاليف .

كانت زوجة والدى تجهش بالبكاء وهى تحكى لى كيف أن مال والدى قد ضاع ولم يبق له غير معاش لا يكفيه قوت يومه وأن أولادها قد غلبهم العقوق وغرق كل منهم فى حياته لا يعرف أن له أبا أو أما .

قالت لى زوجة أبى أنها كانت لى أما، وترفقت بى صغيرا وهى الآن قد وهنت ولم تعد تتحمل وتريد منى أن أترفق بها ووالدى فى شيخوخته ومرضه .

لم يرق قلبى لها ولم أشفق على والدى ما وصل إليه من عجز ومرض بل صورت لى نفسى أبتهج لحاله شماتة فيه لقهرى فى صباى وقسوته على .

تركت زوجة أبى تخرج من عندى خالية الوفاض بلا أمل صفر اليدين تحيطها الحاجة بسياج من اليأس وقلة الحيلة، وبقدر غلظتى معها كنت أتعذب من نفسى والسواد الذى إحتل القلب منها .

كنت أرى صورة والدى وهو فى قوته وظلمه تسكننى، تحتلنى، وكأنى بت مثله بلا قلب أو ضمير، لقد خفت منى وارتعدت خشية أن أكون من أولادى مثلما كان أبى منى قسوة وغلظة أو يكون أبنائى منى مثلما كنت أنا وأشقائى منه عقوقا وجحودا وخسة .

سيطرت على نفسى الأمارة بالسوء بعض الوقت فجمدتنى عن اتيان الخير والتحلى بالصفح وأن أذهب لوالدى أحسن إليه كما أمرنى ربى لا أعامله كما عاملنى .. ولكنى فى النهاية انتصرت للخير فى نفسى وذهبت إليه، نسيت قسوته، أرانى طفلا يعدو فى براءة سنه مهرولا لحضن أبيه، أطوى سنوات العمر الضائع كراهية وأعدو بالحب يسبقنى حتى وصلت إليه يرتجف قلبى .. ولكنه لم يكن هناك .. خلا فراشه حتى من وهنه ومرضه .. لم يعد فى الدنيا أثر لقسوته إلا فى قلبى يعتصر ندما أنى تأخرت عليه ......!!

مات أبى غاضبا على أنا من كنت أحلم يوما بحنانه يرنو منى .. بت يتيم الأب والأم طريد الراحة ما بقى لى من عمر .

أجلد نفسى ليل نهار أنى أطعت ما أمرتنى من سوء فى حق والدى، لقد أعطانى الله المال فبخلت به على والدى فكيف يبارك لى فيه ربى .. وأعطانى الولد فلم أكن لهم القدوة الحسنة وأريتهم عقوقى لأبى فهل أنتظر منهم وفاء ؟

فليرحمنى الله ويترفق بى فنيران الندم ما زالت تحرقنى .

و . ع
يا أخى ترفق بنفسك لا تجلدها ندما وحسرة فرحمة ربك تشمل كل عباده وما طرق بابه عبد عاصى ورده خائبا فأبواب المغفرة والرحمة مفتوحة دائما وصدق المولى عز وجل فى قوله - تعالى -: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]، وما كان أمرك مع أبيك بالأمر الهين فهو سامحه الله أثقل نفسك بظلمه وقسوته منذ نعومة أظافرك وكان من الممكن مع هذه التربية المختلة أن تخرج للحياة إنسانا غير سوى أو مجرما مجردا من كل أسباب الرحمة التى تسكن قلبك الآن ندما وحسرة لجفائك مع أبيك ولعل بذرة الحنان والعطف التى بذرتها فيك أمك البديلة وهى زوجة أبيك هى التى صنعت منك إنسانا سويا ناجحا فى حياته استطاع أن يحقق من الفاعلية فى الدنيا ما فشل فيه أشقائه المميزون عنه فى حب أبيهم .

و لعلك قد حصلت على حظ يوسف عليه السلام فى الدنيا من دون إخوتك برضا ربك ورضا أبيك الذى أفاق من غيه وأراد رؤيتك فى مرحلة عمره الأخيرة وربما عندما جاءتك زوجة أبيك ترجوك مساعدته أن يكون هو من أرسلها على استحياء فهو فى النهاية أب يحب ابنه وإن كان قاسيا عليه .. ثق يا أخى أنه مات وهو راض عنك رغم جفائك وعليك واجب نحوه أن تسامحه على ما قاسيت منه وتألمت فرضا الله عنك مرهون برضا والدك ووفائك له .

أما أمر قسوتك وإهمالك له حتى مات دون أن يراك فتوبة نصوح تجلب لك رحمة الله ومغفرته إن شاء الله مصداقا لقول الله تعالى ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70].

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة