عرب وعالم

«اقتصاد المشاعر».. حصاد الكراهية على مواقع التواصل

24-5-2022 | 21:06
;اقتصاد المشاعر; حصاد الكراهية على مواقع التواصلصورة أرشيفية
محمد عيسى

يزداد مع إثارة التعصب ونشر الغضب وأرباحه تزييف الحقائق

يعتمد على تضخيم الحالة العاطفية والغضب بعيد عن جوهر القضية.. ويخلق حالة من الارتباط بين المتطرفين

اغتيال شيرين أبوعاقلة للمرة الثانية على منصات التواصل بمحاولات التركيز على ديانتها وجنسيتها

أحد أساليب التلاعب بأفكار الشعوب وركيزة أساسية فى الحرب الثقافية فى العصر الحالى

يمنح صاحبه شعورا مزيفا بالانتصار كما لو كان عائدا من الحرب ملتحفا ببطانية من «السيروتونين»

 

«الحقائق لا تبدو مهمة».. مقولة للفيلسوف الأمريكى الراحل روبن جيمس، تنطبق بكل معانيها على معظم ما يتم نشره من محتوى على وسائل التواصل الاجتماعى.. والتى تعتمد بشكل رئيسى على نشر ما يثير العاطفة والغضب بصرف النظر عن الحقيقة.

و«لأن الحقيقة بنت الزمان» كما يقول المثل الإنجليزى، ففى زمان منصات التواصل الاجتماعى، لا تحتاج الحقيقة إلى وقت لطمسها، بل تحتاج إلى ذلك النوع الجديد من الاقتصاد الذى أفرزته لنا وسائل التواصل الاجتماعى، والمعروف بـ«اقتصاد المشاعر» القائم على إثارة العاطفة والغضب تجاه المحتوى لجذب ردود فعل مؤيدة وسريعة.

وتساعد أدوات هذا النوع من الاقتصاد، اليمين المتطرف فى شتى بقاع العالم بشكل أكبر من غيره على تحقيق أهدافه، ذلك لأن جزءا من سياسته يعتمد على تأجيج التعصب وإثارة الغضب والكراهية تجاه الآخر، وتلك المشاعر تمثل الشرايين الأساسية فى روافد هذا النوع من اقتصاد.

ما سبق ملخص بحث للدكتورة الأمريكية كارثرين كروس المتخصصة فى علوم المعلومات بجامعة واشنطن آى سكول، بعنوان “اقتصاد المشاعر.. الإنسانية تتحقق من نفسها حتى الموت”، وتكشف فى بحثها الذى عن الكثير من تفاصيل هذا “النوع الأسود” من الاقتصاد، القائم على تضخيم الحالة العاطفية والغضب لدى الجماهير، بصرف النظر عن الحقيقة من أجل حشد أكبر عدد من المؤيدين لوجهة نظره، والضغط على الطرف الآخر وإقصائه.

تقول كروس فى مستهل بحثها، لقد باتت ما تسمى بوسائل إعلام الـ “سوشيال ميديا” فى معظمها، ركيزة أساسية فى “الحرب الثقافية” وأحد أساليب التلاعب بالجماهير والتحرش بعقولهم فى الوقت الحالى. فما بين محتويات ينشرها “اليمين” و”اليسار”، فى كل بقاع العالم على وسائل التواصل الاجتماعى، تبدو إثارة غضب الجماهير أهم من توضيح الحقيقة نفسها. وأسوأ ما فى “اقتصاد المشاعر” - على حد قولها - أن روافد القائمة على إثارة الغضب والكراهية للآخر، تغذى أهداف اليمين المتطرف، كما تخلق حالة من الارتباط العاطفى بين مجموعات المتطرفين حول العالم، حيث «الادعاء» ونشر الأكاذيب والتضليل المسنود بالغضب تجاه الآخر.

لكن من أين يستمد «اقتصاد المشاعر» هذه القوة؟ تقول كروس: ولدت هذه الكفاءة من إعلام السوشيال ميديا، الذى أفرغ المشاعر المحسوسة من كل معانيها الجميلة، وحولتها إلى أداة ملموسة يتم التعبير عنها وترجمتها بإشارات، وعلامات مزاجية مؤيدة أو معارضة، لتمنح هذه العلامات الطرفين المتناقضين حالة من المشاعر الحيوية الغامضة، يلتحف بها كل طرف كما لو أنه متدثر ببطانية من “السيروتونين”، كالعائد من الحرب منتصرا. أى انتصار زائف هذا الذى تمنحه هذا العلامات الجافة لأصاحبها؟

إن هذه القدرة التى يتمتع بها “اقتصاد المشاعر” من إحداث حالة من الانقسام داخل المجتمع، ليتحول إلى فريق “مع” وآخر “ضد”، لها العديد من التأثيرات السلبية على تقدم المجتمع، حيث إنه يلتهم مشاعر الإحساس بالعمل، والإنجاز الحقيقى الذى يتم على الواقع - على حد قول الدكتورة كاثرين كروس - حيث يستهدف كسر المشاعر الفردية وتوجهها فى سلوكيات تستهدف الجماعات، وتولد فى بعض الأحيان ثقافة مشاعر خارجة عن نطاق السيطرة”، تشحن كل طرف ضد الآخر لحصد أكبر قدر من مكاسب “اقتصاد المشاعر”. وتكون المحصلة النهائية إلحاق ضرر حقيقى بأغلبية فئات المجتمع، الذين يميلون إلى أن تكون دولته مثل حصون منظمة للغاية تحكمها الوسطية والعدالة الاجتماعية بعيدا عن “اليمين” و”اليسار”.

ومع ازدهار وقوة “اقتصاد المشاعر” تصبح الأغلبية ضحية استقطاب وتحرش فكرى بقناعاتهم، فعلى سبيل المثال، عندما يشير أحد المسئولين فى خطاب سياسى رسمى إلى إنجاز حقيقى تم على أرض الواقع، ترى هذه الأقلية المتباينة الغاضبة تخرج من شقوقها بشكل منظم، فى شكل مجموعات تنقض على خطابات السياسيين بالنقد اللاذع بالاعتماد على تأجيج مشاعر الغضب، وأخذهم بعيدا عن القضية نفسها.. نعم إنهم يزدهرون لساعات على منصات التواصل لكن بعدها يعودون إلى شقوقهم.

“هناك حالة من الخلل فى استخدام وسائل التواصل الاجتماعى، لا ينبغى التقليل من تأثرها”. هكذا ما تؤكده ميكا فرنانديز، محامية الحقوق المدنية الأمريكية، مشيرة إلى أن “إثارة الغضب” تحديد تشكل الرافد الأساسى لازدهار ونمو “اقتصاد المشاعر”، ويجيد اليمين المتطرف استخدام هذه الحالة ويستغلها لإحداث انقسام فى وجهات النظر بين القاعدة العريضة من المجتمع. ولا يمكن اعتبار هذا الانقسام على أنه مجرد “تعصب أعمى” لوجهة نظر - رغم أن هذه مشكلة كبيرة فى حد ذاتها- لكنه يخلق معه أرضًا خصبة للمتطرفين، لتطوير “ادعاءات أو شائعات” بديلة عبر محتوى يثير الغضب.

ويلقى «اقتصاد المشاعر» بثقله على أداء السياسيين ومتخذى القرار، ويصبح توليد الغضب ضدهم وإدامته عوامل رئيسة فى ازدهاره. ونتيجة لذلك، أصبح لجوء الحكومات لوسائل التواصل الاجتماعى، ضرورة لتوضيح الحقيقة وامتصاص هذه الحالة الغاضبة قبل تضخمها.

لكن مهمة الحكومات فى أيضا الحقيقة عبر منصات التواصل الاجتماعى غالبا ما تحتاج إلى مجهود شاق، حيث إن محتوى الغضب كان أكثر ملاءمة لرواد منصات التواصل الاجتماعى، ويضمن ردود فعل إيجابية وسريعة، حسبما تقول أليخاندرا كارابالو، أستاذة الحقوق بجامعة هارفارد، حيث يواجه محتوى الجدية والصدق صعوبات كبيرة فى جنى مكاسب سريعة وإيجابية عبر “اقتصاد المشاعر”، حيث إنه فسيولوجيا تحتاج “تهدئة الغضب” إلى وقت أطول من الوقت الذى يحتاجه لإثارته. وهنا يمكننا القول إن تأثير المحتوى الذى يثير الغضب أشبه بتأثير “السلاح البيولوجى” على أصحاب الجينات الفكرية المشتركة. وهذا ما يسمى بـ«توجيه السلوك والمشاعر عن بُعد». وهنا يحضرنا قول الفيلسوف الأمريكى الراحل روبن جيمس، “الحقائق لا تبدو مهمة”، حيث القوة هنا لـ”الادعاء” لجذب غير المتعاطفين بالغضب. وترى كارابالو أن تشديد القوانين المناهضة للكراهية ونبذ العنف الطريقة الوحيدة لتحييد أضرار هذا النوع من الاقتصاد على المجتمعات باختلاف تنوعها وثقافتها.

وتلفت الدكتورة أليخاندرا كارابالو النظر، إلى تأثير أكثر خطورة فى “اقتصاد المشاعر” تتمثل فى استغلاله لمفردات “لغة المشاعر” كمورد لا ينضب لتأجيج حالة الغضب، حيث يسرق محتواه المعانى الجميلة التى نحتاجها عند الحديث عن إنجاز حقيقى على أرض الواقع. وبالنظر إلى الكثير من خطابات الغضب على منصات التواصل الاجتماعى، يلفت انتباه مقدار النقاش الذى يعتمد على «الاستمالة والعاطفة» بعيدا عن جوهر القضية. أى حالة من العاطفية تلك التى تستحق العار؟ عندما يصرخ الآخر فى وجه من يخالفه الرأى. أهى حقا حالة عاطفية، أم عاطفة تحولت إلى “جنون العظمة”؟ فعندما تصبح القضية الرئيسية أقل بروزًا فى المناقشات، ويصبح التركيز على جنى أكبر قدر من المكاسب عبر “اقتصاد المشاعر”. وليس للحقيقة أى أهمية هنا، بل خلق حالة الاستقطاب هى أهم. استقطاب أشبه بـ”بقع الحبر” على طريق طويل تمثل الحقيقة “المتر” الأخير فى نهايته.

وحين نصل إلى هذا المسافة الأخيرة، بعد مجهود طويل، ينطبق عليهم قول تشى جيفارا “يا صديقى لا أحد يريد الحقيقة.. صارحهم بواقعهم المخزى وحالهم المتردى، حيث ينكشف هذه “المصاب بجنون العظمة” ويصبح مصيره كواحد من هؤلاء الذين حضروا “العشاء الأخير”.

اغتيال شيرين أبو عاقلة للمرة الثانية على منصات التواصل

لعل أبرز مثال يحضرنا اليوم على قدرة «اقتصاد المشاعر» والسوشيال ميديا عموما، على تفريغ القضية من مضمونها الحقيقى وتحويلها إلى قضية عاطفية ثقافية ودينية، حالة من الغضب بعيدة جوهر القضية الأساسية، ما حدث فى قضية اغتيال الإعلامية شيرين أبوعاقلة على يد الاحتلال الصيهونى، فقد حاول المتطرفون منذ لحظة اغتيالها، إبعاد النظر عن عميلة الاغتيال نفسها والتركيز على جنسيتها وديانتها، حيث بدأ هؤلاء المتطرفون يركزون فى منصات التواصل الاجتماعى، على كونها مسيحية وتحمل الجنسية الأمريكية، وتفرع الجدل والنقاش بعيدا عن جوهر القضية الحقيقة وهى اغتيالها، لتشكل مثل هذه المحتويات التى نشرها اغتيالا ثانيا لها، وطمسا للحقيقة ووأداً لقضيتها من الأساس.

إنها الفظاظة التى يدشنها اليمين المتطرف فى كل مكان وينبغى أن ننفض من حولها.. وتشبه سوء التصرف الفكرى فى أسوأ حالاته. وإذا كان الهدف من منصات التواصل الاجتماعى خلق مناخ يشعر فيه الأشخاص بمزيد من الحرية والأمان فإن «اقتصاد المشاعر» محركها المثالى. وإذا كان الهدف بناء غضب «وهمى» تجاه سياسة ما، فإنها للأسف جيدة أيضا فى زعزعة «الحقيقة».

نقلاً عن الأهرام العربي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة