Close ad

من "الريان" إلى "البنك" .. النصب مستمر!

21-5-2022 | 16:22

"إيه اللي يخليك تدي حد فلوسك مهما كانت درجة قربه منك؟ جايب منين الثقة إنه مش هينصب عليك؟ عايز تكسب على الجاهز حط فلوسك في بنك طالما دماغك مش شغالة في الاستثمار!"، لماذا يصر البعض على تسليم "شقا عمرهم" لمستريح في مخاطرة يعلمون نهايتها؟ 

أسئلة كثيرة يقف المواطن البسيط أمامها ويحتاج أن يجيب بنفسه عنها، دون الانتظار لإجابات من متخصصين هم بالفعل أجابوا عنها مرارًا وتكرارًا.. ثقافة الناس لابد أن تتغير، تعاملهم مع الأزمات يجب أن يتغير، فكرهم الاستثماري والتجاري واحتكار السلع أيضًا يحتاج إلى تغيير.

والغريب والعجيب في ظاهرة "المستريحين" في مصر أنها تتكرر بنفس تفاصيلها ووقائعها وضحاياها وتداعياتها، منذ ظهور شركات توظيف الأموال في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن، وقد أعادت أعمال الحرق والتخريب التي قام بها الضحايا في قرية مستريح أسوان، بعد أن تبخرت أموالهم، إلى الأذهان مشاهد ضحايا "الريان" وهم يحاولون اقتحام محلات الذهب التي كانت تحمل اسمه حينئذ بعدما ذهبت "تحويشة العمر" إلى المجهول.

وبالرغم من المعرفة المسبقة بنهاية قصة كل "مستريح"، إما بالسجن أو الهروب بالأموال التي جمعها، إلا أن الظاهرة لم تتوقف حتى الآن، ومن المتوقع أن تستمر، ربما لعقود أخرى، طالما أن المناخ الذي تترعرع فيه الظاهرة وتنمو وتنتشر كالسرطان وتلتهم أموال الناس لا يزال قائمًا، وطالما أن هناك محتالًا يتمتع بقدر كبير من الذكاء، وقادرًا على ابتكار ألاعيب وحيل وطرق جديدة، يستطيع من خلالها إحكام نصب شباكه حول ضحاياه، ليسلموا له عقولهم قبل أموالهم عن طيب خاطر وبمحض إرادتهم.

وستستمر الظاهرة طالما أن هناك من يعيشون في القرى والنجوع والمناطق الشعبية، يسيرون على نهج الطمع وتحقيق الثراء السريع، وكأنهم يعزلون أنفسهم عن العالم، ويسلمون عقولهم لجاهل يحرم عليهم التعامل مع  البنوك، ويعتبر فوائدها ربا ورجس من عمل الشيطان، ويقنعهم بأن "المستريح" إياه سيفتح لهم مغارة على بابا، وسيحلق بهم في سماء الغنى، وإنهم في لمح البصر سيصبحون من ذوي الأملاك ومن سكان القصور، ليستيقظوا على واقع مرير يرفضون تصديقه، وتكون ردود أفعالهم غير متوقعة، كما حدث مع ضحايا مستريح أسوان "مصطفى البنك".

ولمواجهة هذه الظاهرة التي باتت تهدد المجتمع، وتتسبب في إثارة الأزمات والشغب، لابد من رفع مستوى الوعي لدى أهالينا في الأرياف والقرى والنجوع والكفور، التي لا يكاد يخلو مكان فيها من وجود "مستريح" بشكل أو بآخر، وابتكار طرق جديدة للتواصل معهم، من خلال مراكز الشباب والمدارس، ومن خلال المساجد والكنائس، بحيث يتم تحذيرهم في خطبة الجمعة والعظة الأسبوعية، بخطورة هذه الظاهرة، وينصحهم بعدم تسليم أموالهم لأي شخص يدعى توظيفها، أو منحهم عوائد كبيرة تصل إلى 400 % من قيمة المبالغ المودعة.

وعلى الجانب الآخر، يجب أن تصل البنوك بخدماتها وفروعها إلى كل قرية أم على الأقل، بحيث يجد سكان الأرياف أمامهم بدائل متاحة ومضمونة ليضعوا فيها أموالهم، بدلا من تركهم فريسة سهلة أمام مخالب المستريحين، خاصة في ظل الشمول المالي والرقمنة التي نعيشها الآن، فمن العيب أن نترك أهالينا في الريف لقمة سائغة في أفواه النصابين والمحتالين.

نحتاج أيضًا إلى تغيير ثقافة ونظرة شريحة كبيرة من المصريين إلى البنوك، فما يزال يعتقد الكثيرون أن أموالها حرام شرعًا، والدليل على ذلك أن جانبًا كبيرًا من أموال المصريين يتم تداوله بعيدًا عن البنوك، ويكفى أن نعرف أن حصيلة ما جمعه 25 نصابًا من المواطنين خلال الأعوام الماضية، حوالي خمس مليارات  جنيه، وفقًا لبعض الإحصائيات الصادرة عن إدارة الأموال العامة بوزارة الداخلية.
في الختام: «النصاب يحتاج إلى طماع ليغزل شباكه حول ضحاياه وينقض على أموال الناس».. الطموح أحلى وألذ طعمًا من الطمع، لأن الطموح يلزمه عمل وجهد وتعب وعرق، أما الطمع فلا وزن له ولا قيمة، لأنه كغثاء السيل يذهب مع أول ريح تقترب منه.

[email protected]

كلمات البحث