Close ad

فريق «الندابة» المعتمد

18-5-2022 | 10:56
الأهرام العربي نقلاً عن

لا تحترفوا مهنة «الندّابة»، وتعلموا من إيزيس.

حين قتل  الشيطان «ست» زوجها أوزوريس، أخفى جثته بعيدا، لم تتوقف إيزيس عن البحث والثأر، ولما عثرت على الجثة، نجح (ست) فى سرقة الجثة مرة أخرى، ومزقها أربعين جزءا، ثم بعثرها فى أماكن مختلفة، معتقدا أن إيزيس ستتوقف، لكنها لم تفعل، ولم تلطم الخدود، وتشق الجيوب، كانت أقوى من ألاعيبه الشيطانية، ونجحت فى العثور على الأشلاء، وعملت على استعادتها كما كانت، عادت به جسدًا كاملًا إلى المعبد، وكما تقول الأسطورة حملت منه بطفل، ثم تلد حورس، المنتصر على الشيطان «ست».

كان يمكن أن تكتفى إيزيس بمهنة المرأة «الندابة»، وتكتفى بالبكاء، وهل يليق بها أن تفعل؟ لا .. فقد كان قرارها الحاسم والصارم هو العدل والثأر، ثم الانتصار.
لا تحترفوا مهنة « الندّابة»، وتعلموا من شاعر الأمة الخالد امرئ القيس.

حين  أتاه نبأ مقتل أبيه الملك، وكان جالسا يلعب النرد ويحتسى الخمر مع أصحابه الصعاليك فى البادية، لم يجزع، أو يهتز، أو ينتفض مذعورا، بل  بقى جالسا فى هدوء، وقال لحامل الخبر الحزين: «ضيعنى صغيرًا، وحملنى دمه كبيرًا، لا صحو اليوم، ولا سُكر غدًا، اليوم خمر، وغدًا أمر»، ثم حرّم على نفسه الخمر، والنساء، ولعب النَرْد، حتى يثأر لأبيه، وكان أبو حجر الملك، أوصى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، بأن الذى سيحصل على المُلك هو الذى سيتلقى خبر موته، ولا يجزع، وبالفعل، حين لفظ أنفاسه الأخيرة، لطم الأبناء المنعمون حوله الخدود، وشقوا الجيوب، وأهالوا التراب على رءوسهم، بينما تلقى امرؤ القيس خبر مقتله بهدوء وتفكير وتدبر، وذهب من غده إلى الثأر لأبيه.

لا تحترفوا مهنة «الندابة».

إنها مهنة بلا إيمان عميق، مهنة تولد في نفس اللحظة وتموت، تحترفها بعض النساء، ولا يخلو أى مجتمع من وجود «ندّابة»  مهنة لا تحتاج إلى أدوات معقدة، يكفى أن تكون لدى الندابة ملابس سوداء وتتمتع بصوت حزين، وتحظى بذاكرة حاضرة فى تأليف الكلام العادى الموزون توا، ونسميه «العديد» فى الصعيد.

«العديد» مقبول من أهل  الميت العزيز، مقبول حين تؤديه الأم  أو الأخت حزنا على الفقيد، لكنه يصبح  خيالا مبالغا فيه، حين تقتحم  «الندابة»  جنازة  أى راحل أو راحلة  دون سابق معرفة، سواء أكان شابا أم شابة، شيخا كبيرا أم امرأة هرمة، طفلا أم طفلة، قتيلا أم ميتا عاديا، ثم تصدح بأعذب الأحزان، حتى يظن أهل الميت أنهم مقصرون  فى حق فقيدهم العزيز، فيضطرون إلى مسايرة الندابة التى ظهرت فجأة تقود العويل.
يقال إن هذه المهنة تعود إلى فجر التاريخ، ويقال إنها توجد فى كل أنحاء المعمورة، لكنها تحظى بمكانة خاصة فى صعيد مصر.

وكثير من الباحثين درسوا هذه الظاهرة، وحفظوا لنا جواهرها الحكيمة، وجمعوا أشعارها العميقة، وبعضها فن  شعرى، يرقى أو يعلو أحيانا على الشعر المحترف.
لكن، لا تحترفوا مهنة «الندّابة».

الندب، على قدر أهميته الإنسانية، لا يليق إلا بالمذعورين والمُرجفين والمرتجفين والمتربصين، وقد كثروا في الأوطان هذه الأيام، وكلما اشتدت الحروب حولنا وعلينا جزعوا، ونصّبوا من أنفسهم قضاة ومنفذى أحكام، وكأنهم فريق الندابة المعتمد، والندابة مهما برعت لا تعيد الفقيد، ولا تأخذ بالثأر، رحم الله إيزيس وامرئ القيس.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: