Close ad

المحنة العالمية فرصة وطنية

17-5-2022 | 15:23
الأهرام المسائي نقلاً عن

يواجه العالم محنة اقتصادية غير مسبوقة تتمثل في ارتفاع معدلات التضخم، وبصورة أبسط، ارتفاع الأسعار بدرجة كبيرة لكافة السلع والمنتجات في كافة دول العالم، وهو الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض قيم العملات المحلية في دول العالم، وإذا ما نظرنا اقتصاديا عن سبب ارتفاع الأسعار عالمياً سنجد أنه يتركز في وفرة العملات النقدية في الأسواق بما لا يتلاءم مع المعروض من السلع، ومع ارتفاع الطلب على السلع ومحدودية المعروض منها وتوفر الأموال حتماً سيؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار، والمعنى الأدق اقتصادياً لارتفاع الأسعار هو انخفاض قيمة العملة المحلية في الدولة التي حدث بها ذلك الارتفاع، أي أن قيمة العملة انخفضت فنحتاج إلى المزيد منها لشراء نفس السلع ونفس الكميات.

وهو الأمر الذي يدفع البنوك المركزية في تلك الدول إلى التسابق لرفع أسعار الفوائد البنكية على إيداع الأموال بالعملة المحلية، سعياً منها نحو الحفاظ على قيمة عملتها الوطنية.

فارتفاع أسعار الفائدة على الإيداع سيحقق آليتين ،الأولي، الإقبال على العملة المحلية مقابل الحد من الإقبال على العملة الأجنبية، والثانية،ـ في ذات الوقت ـ سحب زيادة المعروض من العملة المحلية في الأسواق لتتعادل كمية الأموال المتوفرة مع الأفراد، والتي تمكنهم من شراء السلع والخدمات مع المتوفر بالفعل في الأسواق من تلك السلع والخدمات، لنصل في النهاية إلى الحفاظ على قيمة العملة المحلية كهدف رئيسي، والحفاظ على مستويات الأسعار المقبولة في الأسواق وبالتالي السيطرة على ارتفاع معدلات التضخم.

وإذا ما نظرنا إلى أسباب الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية فسنجد أن هناك عدة عوامل مجتمعة اشتركت في الوصول إليها، منها العالمية والتي تلقي بظلالها حول العالم، ومنها ما هو محلي، أي تختص به الظروف الاقتصادية لكل دولة،فالأسباب العالمية امتدت ليس من الآن وإنما جاءت انعكاسا لتبعات زيادة الطلب عقب انكسار حدة وباء كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وهو الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام والسلع الغذائية الرئيسية ومختلف الأسعار حول العالم بصورة غير مسبوقة، لتبدأ الدول في رفع أسعار الفائدة لديها بدرجات متفاوتة تتناسب مع المؤشرات الاقتصادية التي رصدها كل بنك مركزي في كل دولة وبخاصة الفيدرالي الأمريكي، بهدف السيطرة على ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار والسعي نحو الحفاظ على قيمة سعر صرف العملة المحلية من الانخفاض، ومع عودة حركة التبادل التجاري عالميا، بدأت تنتقل تبعات ارتفاع الأسعار بين مختلف الدول، لتتفاقم الأزمات في الدول المعتمدة على الاستيراد أو الاقتراض بدرجة أكبر، نظراً لاعتمادها على النقد الأجنبي في شراء احتياجاتها من الخارج، أو دفع فوائد وأقساط القروض الخارجية لديها.

فتلك هي الأزمة من المنظور العالمي، ولكن ماذا عن الوضع المحلي المصري؟
فإذا ما نظرنا للوضع في مصر فسنجد أن المركزي المصري استجاب بصورة سريعة لتلك التغيرات العالمية؛ وكنتيجة للمؤشرات المحلية التي أوضحت ارتفاع معدلات التضخم السنوية، جاء رفع سعر الفائدة على الايداع والاقتراض بمقدار 1%، وطرح شهادة بعائد مميز بلغ نحو ١٨%، ليصل حجم الأموال المجتذبة كنتيجة لتلك السياسات الانكماشية إلى ٦١٥ مليار جنيه. ودعم ذلك نجاح الجهود المصرية لزيادة الاحتياطي الأجنبي لدينا والتي تمثلت في تلقي إيداعات من الدول العربية بقيمة حوالي ٧ مليارات دولار ووعود بمزيد من الاستثمارات بقيم تصل إلى ١٥ مليار دولار؛ وهو الأمر الذي ساهم في الحفاظ على عدم انهيار العملة المحلية بالصورة التي وصفها البعض.

ودعم تلك السياسات النقدية إجراءات دعمت الحد من الاستيراد غير المبرر وساهمت في الحد من الطلب على الدولار اللازم للاستيراد.لكن هل تلك السياسات النقدية بمفردها تكفي؟

والإجابة قطعاً ستكون بالنفي، فإذا ما نجحت تلك الإجراءات الانكماشية في الوفاء بالغرض وهو السيطرة على المعروض من النقد المحلي، والطلب على النقد الأجنبي، إلا أن علاج السبب الرئيسي في الأزمة وهو عدم توفر المعروض من المنتجات المحلية الصنع بالشكل الذي يحتاجه المواطنون بالفعل في الأسواق المحلية ويفيض إنتاجنا لينعكس على صادراتنا، فستبقى الأزمة قائمة، والسيطرة عليها قابلة للانفجار إذا لم نتدارك الأمر، فما قدمناه هو استجابة للعارض العالمي، إلا أننا لم نتوغل بالشكل التنفيذي الفعلي الذي يسمح بعلاج الأسباب المحلية. وهو ما أدركه الرئيس، لتأتي التوجيهات بضرورة استبعاد أي قيود قد تعوق من استيراد المواد الخام ومتطلبات الصناعة، ليعطي الفرصة إلى زيادة الإنتاج المحلي.

فما نحتاجه هو الإسراع في توفير المزيد والمزيد من الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي، والإسراع في جذب الفرص الاستثمارية، والإسراع في مضاعفة أعداد السياحة القادمة إلى الأراضي المصرية بما يتلاءم مع ما نمتلكه من كنوز، ليبقى مؤشر نجاحنا معتمد على خطواتنا الفعلية المتخذة نحو تحسين الأداء الداخلي لاقتصادنا والمرتبط بتعظيم قدرتنا الإنتاجية، والمرتبط بتوفير احتياجاتنا المحلية والوصول إلى تعظيم صادراتنا، وهذا هو ما سينعكس بصورة حقيقية على انخفاض معدلات التضخم في الأسواق، ليصبح هو العنصر الحاكم في تحديد رفع أو خفض أسعار الفائدة لدينا. وبالوصول إلى هذا الهدف نكون بالفعل قد نجحنا في تحويل تداعيات الأزمة العالمية إلى فرصة وطنية غير مسبوقة.

خبيرة اقتصادية 

[email protected] 

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: