Close ad

الدنيا دار ابتلاء!

15-5-2022 | 16:24
الأهرام المسائي نقلاً عن

قيل عن الدنيا إنها دار إلتواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، فالحظوظ موزعة في الدنيا توزيع بلاء وفي الآخرة توزيع جزاء، يجب أن نتمعن كلام الله سبحانه وتعالى لنعلم أن الكُل مُبتلى بخلاف نوع الابتلاء وباختلاف الشخص الواقع عليه الإبتلاء، فقد تجد شخص مُبتلى ولكنه راض وسعيد فلديه رضا وقناعة بما قسمه الله له وآخر من الممكن أن يكون أقل ابتلاءً ولكنه يفتقد الرضا والقناعة!

والابتلاء ليس فقط بالمنع بل بالعطاء أيضًا فنحن في الحقيقة مُبتلون فيما أعطاه الله لنا من رزق ونعم وبما منعه الله عنّا، وقد يكون الابتلاء في العطاء وقد يكون الرزق في المنع فيصير المنع عين العطاء، وهناك آيات عديدة في القرآن تتحدث عن الابتلاء .. مثل قوله تعالي "وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ"،.. "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً"، "لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ"، "لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ"، ففي الحقيقة نحن في امتحان في كل وقت وفي كل مكان، وجودنا في الدنيا ابتلاء وكل رزق يمنحه الله لنا اختبار، فمن أعطاه الله المال فيما ينفقه؟ ومن أعطاه الله رزق الزواج فاختباره كيف يطيع الله فيمن تزوجه؟ ومن أعطاه الله رزق الأولاد فكيف يتم تربيتهم ، ومن أعطاه الله الجاه والسلطة فهل يعدل بين الناس ويقيم العدل في الأرض؟، ومن أعطاه الله العلم والحكمة هل نفع بها الناس أم احتكرها لنفسه؟، فالنعمة التي يسيء الإنسان استخدامها تنقلب لنقمة وينزعها الله منه، ففي الحقيقة لا نعلم بأن كل رزق يمنحه الله لنا هو في الحقيقة اختبار لنا والعبرة أن ننجح في اختبار الدنيا وليس فقط النجاة منه، "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"، .. فمقياس درجة إيمانك بالله وحبك له هو مقياس نجاحك في الابتلاء والصبر عليه ،"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ"، والابتلاء "حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب"، "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً"، "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ"، ولا يغيب عن أذهاننا أن كل ابتلاء يمُر به الإنسان ابتلى به الله الأنبياء والرسل، فالله أمرنا بالاسترشاد بقصص الأنبياء وما حدث معهم ليكونوا عبرة دائمًا لنا، فجميع الرسل والأنبياء تعرضوا لامتحانات عدة ومن يتمعن يجد أن كلًا منّا تعرض لِما تعرض له الأنبياء باختلاف أنواع الابتلاء، ولكن الفيصل هو كيفية التعامل مع الابتلاء، فهناك من فَقَدَ أبناءه ولا يعلم بأن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فقد أبناءه، وهناك من تعرض لغدر من أقرب الناس إليه وسيدنا يوسف تعرض لحقد وغدر أخوته، وهناك من أُتهم ظُلم وسُجِنَ ظُلم وسيدما يوسف أيضًا تعرض لذلك، وهناك من تحدث الناس عنه بسوء واتهم ظلم كالسيدة عائشة، وهناك من اُبتلي بابن عاصِ كسيدنا نوح، أو زوجة عاصية كسيدنا لوط، أو زوج عاص كآسيا امرأة فرعون، أو أب عاص كوالد سيدنا إبراهيم، عليهم جميعًا السلام، فالثواب على قدرالمشقة، فتعرض سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لامتحان القهر كذبوه وسخروا منه و أساءوا إليه فصبر، وامتحن امتحان النصر فتواضع، وامتحن امتحان الفقر فصبر، امتحن امتحان الغنى فشكر، وامتحن بكيد الأعداء وافتعلوا المؤمرات عليه، وسيدنا أيوب تعرض أيضًا للعديد من الابتلاءات بعد أن أنعم عليه الله بالعديد من النعم سلبها منه فصبر ثم أرجعها إليه مرة أخرى، فالابتلاء لحكمة ما ستعلمها مع مرور الوقت، فلكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ، فلو تمعنا في حياتنا اليومية سنجد أننا نبتلى 24 ساعة أي نتعرض يوميًا لمواقف عدة من مضايقات أثناء العمل لاختبار مدى أمانتك مدى صدقك مع الله، وأيضًا نصادف أناس كثيرون يختبر الله مدى صدق إيماننا وكيف نتصرف إزاء الابتلاءات التي نتعرض لها، حتى المنح والعطايا ابتلاء، ولا نعلم بأن الابتلاء مرتبط بالرزق ارتباط طردي فكلما زاد رزقك زاد الابتلاء، فالجميع يتعرض لابتلاءات ولا تظن أنك وحدك مُبتلي ولكن ما يفرق ما البعض والبعض الآخر رد الفعل إزاء تلك الابتلاءات وبالتالي من ينجح فيه ومن يرسب !  فلكي تخفف من وقع الابتلاء عليك تذكر أنه مؤقت وتمعن في حكمة الابتلاء.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: