آراء

محمد فريد بك

14-5-2022 | 12:54

أحد كبار زعماء الحركة الوطنية المصرية، تولى رئاسة الحزب الوطني بعد وفاة مصطفى كامل باشا، أنفق ثروته بالكامل على القضية المصرية، تلخصت أهدافه في الجلاء والدستور والجامعة الإسلامية، مدركا أن ذلك لن يتحقق إلا بنشر التعليم فأنشأ المدارس الليلية على نفقته الخاصة في الأحياء الشعبية والمحافظات، وأنشأ أول نقابة للعمال في مصر، ومع ذلك لم ينل حظه من التقدير والعرفان، لا في زمانه وحتى الآن فكثيرون منا لا يعرفون سوى تمثاله وسط البلد والشارع الذي يحمل اسمه، وللأسف توفي في مهجره في ألمانيا فقيرًا وحيدًا.

 
ولد محمد فريد 1868م لأسرة ثرية ذات أصول تركية، فوالده أحمد باشا فريد ناظر الخاصة الخديوية، تعلم في مدرستي الألسن والحقوق، عمل بالنيابة فور تخرجه إلى أن أصبح وكيل نيابة استئناف القاهرة ثم تركها وعمل لفترة بالمحاماة، لكنه فضل مسار العمل الوطني فالتحق بالحزب الوطني ورافق مصطفى كامل في جميع جولاته لأوروبا مدافعًا عن قضايا الوطن وفاضحا ممارسات الاحتلال، وبعد وفاة مصطفى كامل 1908م تم انتخابه رئيسا للحزب الوطني.
 
كانت أهداف محمد فريد واضحة ومحددة وهى الجلاء والدستور والجامعة الإسلامية ووحدة وادى النيل، ورأى أن السبيل لتحقيق ذلك يكمن في التعليم، فكان من المهم جدا تعليم الشعب وتنويره ليكون على معرفة ودراية بحقوقه، وتنظيمه في تكتلات ليكون أكثر قوة وارتباطا فأنشأ على نفقته الخاصة مدارس ليلية في الأحياء الشعبية والمحافظات، وتولى رجال الحزب الوطني التدريس فيها إلى جانب أنصاره من المحامين والأطباء.
 
وضع أساس الحركة النقابية، فأنشأ نقابة الصنائع اليدوية في بولاق 1909م وكانت أول نقابة للعمال ومعها أول اتحاد تجارى ودعا لوضع القواعد القانونية لحقوق العمال، وبذلك كانت باكورة العمل النقابي في تاريخ مصر الحديث، كما أنشأ على نفقته الخاصة أربعة مدارس للصناع بالقاهرة وجذب الطلاب إلى الحركة الوطنية لما يمثلونه من قاعدة عريضة للشعب.
 
وضع محمد فريد صيغة موحدة للمطالبة بالدستور وطبع منها عشرات الآلاف من النسخ داعيا الشعب إلى التوقيع عليها وبالفعل تم تقديم 45 ألف توقيع إلى الخديو عباس حلمي الثاني كدفعة أولى تلتها دفعات أخرى. 
 
وكان تشجيع المواطنين على هذا العمل عاملا قويا لبث الوعي الثوري لدى المصريين وشجعهم على تكرار المطالبة بحقوقهم وإعلان كراهيتهم للاستعمار والاستبداد. 
 
وفي إطار نشاطه السياسي، دعا الوزراء إلى مقاطعة الحكم، وإعلان سبب المقاطعة أمام العالم وذلك كأسلوب ضغط لإعلان الدستور. 
 
عرفت مصر على يد محمد فريد المظاهرات الشعبية المنظمة، فكان يدعو إليها فيجتمع عشرات الآلاف في حديقة الجزيرة وتسير إلى قلب القاهرة هاتفة بمطالبها.
 
سنة 1910م أرادت بريطانيا مد فترة امتياز شركة قناة السويس 40 سنة أخرى بعد انتهائه في 1969م مقابل أن تدفع الشركة مبلغا من المال للحكومة المصرية، فتصدى محمد فريد لهذا الطلب بتزعمه حملة قومية بجريدة اللواء، مما أجبر الحكومة بتأثير من الرأي العام على دعوة مجلس الشورى والجمعية العمومية للانعقاد وتم رفض طلب التجديد. 
 
تعرض محمد فريد للمحاكمة بسبب مقدمة كتبها لديوان شعر "وطنيتي" للشيخ القاياتى ،وكانت بعنوان "أثر الشعر في تربية الأمم" وبعد نشر الديوان سافر إلى أوروبا للتحضير إلى عقد مؤتمر في باريس لبحث المسألة المصرية ،وأنفق عليه من ماله الخاص، كي يدعو إليه كبار معارضي الاستعمار لإيصال صوت القضية المصرية بالمحافل الدولية.
 
نصحه أصدقاؤه بعدم العودة لأن الحكومة تنوي محاكمته بسبب مقدمته التي كتبها لديوان الشعر لكنه عاد وكان قد تلقى خطابا من ابنته تناشده العودة قائلة "لنفرض أنهم يحكمون عليك بمثل ما حكموا به على الشيخ عبدالعزيز جاويش فذلك أشرف من أن يقال بأنكم هربتم" وبالفعل عاد وحكم عليه بالسجن ستة أشهر.
 
خلال فترة سجنه طالبت الصحف بالعفو عنه، كما ذهب إليه مدير السجن وكان إنجليزيا يطالبه بالتخفيف من لهجته المعادية للإنجليز مقابل العفو عنه، كما أرسل الخديوي موفدا يعرض عليه تقديم طلب للعفو عنه، لكنه رفض رفضا تاما وقضى الفترة كاملة.
 
ضاقت سلطات الاحتلال بممارسات محمد فريد وحاولت التربص له لإعادته إلى السجن مرة أخرى، فأوقفت صحفه الثلاث وصودرت تباعا وهي اللواء والشعب والاعتدال، فغادر البلاد سرا إلى أوروبا في 1912م.
 
واصل محمد فريد كفاحه في أوروبا، فحضر مؤتمر أنصار السلام في ستوكهولم 1912م، وبالفعل أصدر المؤتمر قرارا بضرورة جلاء الإنجليز عن مصر. 
 
ومن باريس في 26 سبتمبر 1912م بعث رسالة باستقالته عن رئاسة الحزب لعدم تواجده في مصر، وكان الحزب الوطني قد عزم على عزله بحجة خروجه على مبادئ الحزب؛ مما يسبب حرجا وسوء الظن بالحزب، وإن كان في حقيقة الأمر تملقا للخديوي ولسلطات الاحتلال الإنجليزي.
 
توفي محمد فريد بك في برلين بألمانيا في 25 نوفمبر 1919م، بعد أن أمضى سنوات اغترابه عن وطنه وحيدا فقيرا، بعد أن فقد ثروته من أجل رفعة واستقلال بلاده، حتى إن أهله في مصر لم يجدوا مالا كافيا لنقل جثمانه إلى أرض الوطن، ولأنه كان محبوبا من الشعب سافر الحاج خليل عفيفي وهو تاجر قماش من الزقازيق لنقله بنفسه على نفقته الخاصة، كما تبرع الأمير عمر طوسون بكل نفقات جنازة الزعيم الوطني عقب وصول الجثمان من ألمانيا، واستغرقت الجنازة الشعبية 24 ساعة من ميناء الإسكندرية حتى محطة مصر في القاهرة انتهاء بمدافن العائلة بالسيدة زينب في 1920م، وقد منح الحاج خليل عفيفي نيشان الوطنية من الحكومة المصرية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مايسة السلكاوي تكتب: قصور تحكي تاريخ مصر (3-2)

يعتبر عصر الخديو إسماعيل أزهى عصور مصر عمرانيا وثقافيا وفنيا، فمثلما تشكل الوعي الثقافي في المجتمع خلال تلك الفترة، كانت هناك طفرة عمرانية هائلة بلمسات

مايسة السلكاوي تكتب: قصور تحكي تاريخ مصر (1/3)

تمتلك مصر كم هائل من القصور، تمثل معظم عصورها بدءا من عصر الفراعنة مرورا بالرومان والبطالمة والفاطميين والمماليك وصولا إلى العصر الحديث حيث المملكة المصرية.

مايسة السلكاوي تكتب: موروثات رمضانية

إللي بني مصر كان في الأصل حلواني .. مقولة شهيرة تعني جمال مصر.. ولكنها حقيقة بالفعل.. فكان جوهر الصقلي قائد الجيوش الفاطمية وباني القاهرة المعزية بارعًا في صناعة الحلوى

مايسة السلكاوي تكتب: بين القصرين

هناك كلمات تثير فى نفوسنا كمصريين الكثير من الذكريات والتقاليد الجميلة ، والتى تنفرد بها مصر عن غيرها من الدول الإسلامية ، فالأزهر والحسين وخان الخليلى وبين القصرين وشارع المعز

مايسة السلكاوي تكتب: حدائق المحروسة

تمثل الحدائق والمتنزهات حالة من البهجة والسعادة لكل من يرتادها ..فالحدائق بما تحمله من ألوان زاهية وعطر الورودالفواحة والهواء النقى ، يضفى شعورا من الراحة

مايسة السلكاوي تكتب: «إمبابة»

إنبابة هكذا كانت تسمى كما ذكرها الجبرتي، ومن المرجح أن اسم إمبابة الذي تعرف به الآن قد أطلقه تجار ورعاة الجمال الأمهريون القادمون من الحبشة، فإن إمبابة بـ الأمهرية تعني نخلة الدوم المصرية

مايسة السلكاوي تكتب: شريف باشا

لقب بـ أبوالدستور فهو مؤسس النظام الدستوري ومجلس النواب المصري، أحب مصر وأخلص لها، لو استمع العرابيون لنصائحه لسارت ثورتهم في الاتجاه الصحيح، وكانت مصر أمنت شر الاحتلال البريطاني

مايسة السلكاوي تكتب: باب اللوق

قبل أن يستقر نهر النيل عند مجراه الحالي في المنطقة ما بين مصر القديمة وروض الفرج، انحسر مجراه لأكثر من مرة متجها غربا خلال القرنين السادس والسابع الهجري، إلى أن استقر على النحو الحالي

مايسة السلكاوي تكتب: أحمد لطفي السيد

الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.. مقولة شهيرة، كثيرا ما نرددها، لكن ربما لا نعرف صاحبها، إنه أحمد لطفي السيد أحد العلامات المضيئة في عصر التنوير، إنها مقولة تدعو إلى الحوار الراقي والمتمدين

مايسة السلكاوي تكتب: محمد فرغلي باشا

محمد فرغلي باشا من أهم رجال الاقتصاد في مصر منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى ثورة 23 يوليو 1952م، فكان صاحب أنجح شركات القطن أطلق عليه ملك القطن ، رفض

الأكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة