آراء

طه حسين.. وسر القوة الخفية!!

14-5-2022 | 12:36

كم جملة سمعتها من أي أستاذ، ولم تفهمها؟ مائة؟ ألف؟ أكثر؟ وماذا فعلت وقتها.. هل حاولت أن تسلقها في دماغك، وتقلبها في عقلك على كل الوجوه؟ أم أنك مشغول.. ولا وقت لديك لتفهم كل ما تسمع؟

 
التلميذ (طه حسين) سمع كلمة كثيرة التردد على ألسنة شيوخ الأزهر، ولم يفهمها.. الكلمة هي (والحق هدَم الهدْم)!
 
 وهي جملة لا يتوقف عندها أحد.. أما طه، فيقول: أنها نغّصت عليه حياته، وأسْلمته لأرق شديد.. والسبب أنه حاول أن يعتصرها، ويسلخ منها كل المعاني المحتملة.. ولم يستطع أن يدعها دون أن يفهمها تمام الفهم!
 
والحقيقة أن هذا الموقف يعطينا درسًا "فيزيائيًا" خطيرًا.. أن عقولنا بها فلاتر دقيقة، وأجهزة تفوق أدق الحواسب والآلات.. لكننا نتعامى عنها ونهملها حتى تصدأ، فنحن لا نستعمل من عقولنا سوى (10%) فقط من قدراته الحقيقية، وأقل من هذا بكثير.
 
فلماذا لا تصر على استعمال هذه الفلاتر في تنقية الكلام، وغربلة المعلومات، وفهم كل ما تسمعه من دروس؟ لا تقل أن الوقت قليل، أو أن العلم غزير والكتب كثيرة، فليس أصعب من كتب الأزهر القديمة..
 
الشيخ طه كان يدرس أمهات الكتب المعقدة.. وهذه الكتب لها شرح، والشرح له شرح آخر، وشرح الشرح له شرح!!
 
أو باختصار: المتن، والشرح، والحاشية، والتقرير، فعلمهم الأزهري صعب.. وأصعب منه المعلـِّمون.. فقد كان لديهم شيخ يقوم بتدريس (المنطق) يقول عن نفسه: "مما من َّ الله عليَّ به أني أستطيع أن أتكلم ساعتين فلا يفهم أحد عني شيئًا، ولا أفهم أنا عن نفسي شيئًا"!!
 
وكان هذا الشيخ سريع الغضب، إذا سأله أحد يشتمه، وإذا ألح في السؤال كان جزاؤه لكمة، أو رمية من حذاء الشيخ الملىء بالمسامير!
 
ورغم هذا كان (طه حسين) لحوحًا في السؤال.. لا يخشى أو يخجل من أن يسأل فيما لا يفهم.. حتى إنه تعرض للطرد هو وزملاؤه بسبب هذا الإلحاح.. وصرخ فيهم الأستاذ: "انصرفوا.. فلن أستطيع أن أكمل وفيكم هذا الوقح".
 
و(طه حسين) هو أكبر دليل على أننا نستطيع أن نحفظ بمجرد السماع، وكان يقول هذا عن نفسه.. وأنه "كان لا يسمع من الشيخ كلمة إلا حفظها، ولا رأيًا إلا وعاه، ولا تفسيرًا إلا قيده في نفسه".
 
فهو لا يستعين بالكتابة في مسائل الحفظ.. بل يسمع ويحفظ مباشرةً.. وقد يقوم بترديد ما يحفظه لا أكثر، وهذا معناه أننا دللنا حواسنا أكثر من اللازم.. وأننا في حاجة إلى إعادة تمرين الذاكرة على الطرق البدائية في الحفظ، أي دون الاستعانة بالورقة والقلم.
 
 والذي كان يساعده على حدة الانتباه، وقوة التركيز هو كفُ بصره.. فعيوننا عامل مهم في السرحان والشرود.. وهي دائمًا تأخذنا بعيدًا عن جو الدروس.
 
وهذا يؤكد دور الانتباه في الحفظ، وفي القدرة على الاستيعاب والتحصيل، وإذا أردت أن تعرف القوة الخفية في حياة (طه حسين)، وسر الطاقة الغامضة التي تقوده.. فاقرأ هذه الكلمات: "كان يشعر شعورًا غامضًا، ولكنه قوي بأن هذا العلم لا حد له، وبأن الناس قد ينفقون حياتهم كلها ولا يبلغون منه إلا أيسره.. وكان يريد أن ينفق حياته كلها، وأن يبلغ من هذا العلم أكثر ما يستطيع أن يبلغ مهما يكن في نـَفـَسه يسيرًا...".
 
فهذا هو منتهى أمل هذا التلميذ الأزهري النحيل الكفيف.. الذي يعيش حياة فقيرة صعبة، وفي جو تعليمي ملبد بالعفار والغيم.
 
ثمة دافع آخر خطير في حياة الشيخ طه.. هو دافع التحدي والإصرار.. فهو يحكي أن أول إجازة أزهرية أخذها.. عاد فيها إلى بلدته، وكان يتوقع احتفاءً وإجلالًا وتوقيرًا.. ولم يجد أمامه إلا كل فتور وإهمال... وهو يصف شعوره وقتها.. فيقول: "استقر في نفس الصبي أنه ما زال كما كان قبل رحلته إلى القاهرة.. قليل الخطر، ضئيل الشأن، لا يستحق عنايةً به ولا سؤالًا عنه، فآذى ذلك غروره، وقد كان غروره شديدًا..".. وقرر بعدها أن يكون جديرًا بالإكبار والفخر والاحترام، من أهله ومن كل الناس، لكن كيف عاش هذا التلميذ العبقري حياته الأزهرية؟
 
هو يصف الغرفة التي قضى فيها أيامه بالضيق.. رغم أنه لم يرها.. وكان يظل مكورًا مكومًا في ركن من الغرفة وحيدًا، بعد أن يتركه أخاه ويمضي إلى أصحابه.. والأسوأ من هذا أنه يسمع طنينًا ودبيبًا وحفيفًا لحشرات وحيوانات تسعى في الغرفة، وتملأ نفسه بالهلع والرعب.
 
وملابسه مكدسة في صندوق.. وعشاؤه إن كان فخمًا فهو يتكون من الجبن الرومي والحلاوة الطحينية.. وإن كانت هناك أزمة مالية.. يشتري بعض الطحينة يضعها على قليل من العسل الباقي من زاد القرية!
 
ويصحو مع الفجر ليصلي.. ويمضي إلى الأزهر في حارة ضيقة كريهة الرائحة.. ومعه قرش صاغ يفطر به صحن فول نابت، وحزمة كرّات.. أو قد يحتال على مصروفه، فيغامر بشراء طبق من البليلة، أو قطعة هريسة!
 
وكانت الدراسة تستمر إلى العصر.. بالإضافة لدروس المساء، التي بدأ يَحضُرها في عامه الأزهري الثاني. وكان حريصًا على تحضير دروس الغد.. في الفترة البسيطة المتاحة له قبل العصر.. والمخصصة للغذاء والراحة.
 
و(طه حسين) استغل كل الإمكانات المتاحة من حوله.. فهو عندما علم بافتتاح الجامعة المصرية... قرر أن يذهب ويستمع إلى دروسها.. وظل 3 سنوات يتردد عليها، حتى قرر أن يلتحق بها.. ونال درجة الدكتوراه في عامين فقط!
 
وكان هو السبب وراء مجانية التعليم الإبتدائي سنة(1944).. ولكنه لم يستطع أن يجعل التعليم الثانوي مجانيًا إلا بعد أن أصبح وزيرًا للمعارف.
 
واسمعوا الشيخ طه، التلميذ الأزهري يتكلم عن الإجازة الدراسية.. والتي ننتظرها نحن لنلعب ونلهو.. بل نحن لا ننتظر أي إجازة لنلعب.. فكل الأوقات عندنا إجازة وفراغ وفضاء!
 
فهو يقول عن نفسه: "كانت الإجازة أنفع لعقله وقلبه من العام الدراسي كله.. كانت الإجازة تمكنه من أن يفرغ لنفسه فيفكر.. وما أكثر ما كان يفكر! ومن أن يخلو إلى إخوته فيقرأ.. وما أكثر ما كان يقرأ، وما أشد تنوعه وأعظم فائدته".. اسمعوا هذا واضحكوا.. علينا، لا عليه! 
 
نحن في حاجة بالفعل لقراءة طه حسين بعمق علنا ندرك اليوم ما أدركه هو بالأمس فسبق عصرًا عاد فيه الدجل والافتراء بديلًا عن العلم!
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
عبد السلام فاروق يكتب: فوازيرجي برنجي!

المخرج العبقري (فهمي عبدالحميد) خريج الفنون الجميلة الذي تتلمذ على يد فنانَي الرسوم المتحركة الشهيرَين: (حسام وعلي مهيب)، كان رائدًا في ابتكار فكرة فوازير

عبدالسلام فاروق يكتب: عن زمن البدايات

فى هدوء وثقة، يتحرك تيار ثقافي جديد قديم يحمل بشريات صنف أدبي أثير لدى الجمهورين العام والخاص، ينحدر في إصرار.. يتدفق عبر قنوات رفيعة ضيقة بين أنهار هادرة من الكتب والروايات والقصص التي تستهوى الشباب

عبدالسلام فاروق يكتب: الأمية الثقافية وباء العصر!!

الأمية الثقافية وباء خطير متفشٍ من أوبئة العصر.. ومكافحة هذا الوباء لا تقل أهمية عن مكافحة كورونا وأمثاله من أوبئة تستهدف الأبدان، فيما تستهدف الأمية عقل الأمة وبنيانها الفكرى

عبد السلام فاروق يكتب: تشانغ شيان.. ومفتاح الحياة

(تشانغ شيان) هو بطل صيني قديم يُنسَب إليه الفضل في اكتشاف طريق الحرير القديم منذ نحو ألفي عامٍ مضت، أما تشانغ شيان الجديد، فهُم رؤساء الصين الثلاثة: (دنغ شياو بينغ) و(جيانغ زيمن)، و(شين جين بينغ)

عبدالسلام فاروق يكتب: "اللانظام العالمي الجديد"!

تزفيتان تودوروف واحد من أشهر وأهم المنظِّرين والنقاد المعاصرين في العالم.. وهو مؤرخ وكاتب معاصر فرنسي من أصل بلغاري، ولد عام 1939م وتوفي عام 2017م عن عمر يناهز 77 عامًا

عبدالسلام فاروق يكتب: أعداء الأدب

هناك ما يدعى بـ الميتاسَرد ، وهو يمتّ بصلة قرابة لما يدعى الميتافيزيقا وصدقوني لا أقصد التهكم، الملل العتيد هو السبب في أن هناك موضة حديثة تغزو العالم

عبد السلام فاروق يكتب: سيناء .. مشروع مصر الأعظم

هو مشروعها الأعظم بلا منازع أو شك.. الدليل أنها أنفقت من أجله 600 مليار جنيه، وهي ليست إلا أقل القليل بما يُنتظر من العوائد اللامحدودة.. والدليل أنها سخرت

عبدالسلام فاروق يكتب: باريس ذات الوجهين

لطالما ذكَّرتني باريس بالعملات المعدنية ذات الوجهين.. فهي في السياسة عكسها في الثقافة، وهي في الصيف غيرها في الشتاء، ورجالها أجلاف قساة بخلاف الباريسيات

الأكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة