ذاكرة التاريخ

«فتاة الصعيد» و«زهرة الجنوب».. أوليفيا كامل أول صعيدية تحمل راية الأدب من صالون «المعقل الأشهب»| صور

13-5-2022 | 13:19
;فتاة الصعيد; و;زهرة الجنوب; أوليفيا كامل أول صعيدية تحمل راية الأدب من صالون ;المعقل الأشهب;| صورقصر اندراوس باشا بالأقصر
محمود الدسوقي

بينما كانت ليالي القاهرة الثقافية تطل على سماء الدنيا بالنور من خلال الصالون الأدبي لمي زيادة، الذي كان يضم كبار الأدب والثقافة من أمثال الدكتور طه حسين، وعباس العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، كان هناك صالون أدبي مماثل في صعيد مصر يحمل اسم "المعقل الأشهب" تنظمه أديبة أخرى ليملأ جنبات الوادي بنور الثقافة.

 تعتبر أوليفيا كامل عويضة عبد الشهيد، أول امرأة صعيدية تُقيم صالونا للأدب والشعر في منزلها، الذي كان بالقرب من قصر أندراوس باشا الذي يطل على معبد الأقصر آنذاك، حيث كان منزلها مقصدًا للشعراء، ومنهم الشاعر محمد موسى كريم الأقصري، الذي يعتبر من أمراء الشعراء المجهولين في الصعيد.

بدوره يقول الباحث ناصر فولى، والذي قام بجولة لجمع تراث شعراء وشاعرات الصعيد لمجمع البابطين، أن أوليفيا كامل عويضة، ولدت في مدينة الأقصر بصعيد مصر، وفيها توفيت، وقضت حياتها بين القاهرة وعدة مدن بالصعيد، وقد تعلمت في المدارس القبطية بالأقصر، وكانت مدارس ذات شهرة، وكان خريجو دار العلوم يدرسون اللغة العربية بها، كما تعلمت عددا من اللغات بالإضافة إلى العربية، كالإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية.

ويوضح ناصر فولى في تصريح لـ"بوابة الأهرام"، أن أوليفيا كانت تنتمي إلى أسرة قبطية واسعة الثراء تملك العديد من الأملاك الزراعية، وهي صعيدية محافظة، ولهذا لم تمارس أي وظيفة رسمية، وقد أسست في بيتها صالوناً أدبياً أطلقت عليه «المعقل الأشهب»، وهو الصالون الذي كان يجتمع فيه أدباء الأقصر، وقنا، وأسيوط، من أشهرهم الشاعر محمد موسى الأقصري، الذي كان منافسا حقيقيا لأمير الشعراء أحمد شوقي.

كانت أوليفيا عضوة بارزة بمجلس الكنيسة القبطية الكاثوليكية المصرية، وقد كانت توقع كتابتها بمجلة الرشديات، باسم"فتاة الصعيد"، وفي مجلة الثقافة توقعها باسم "الزهرة".

 أما إنتاجها الشعري، فقد نُشر بعدة مجلات أدبية، مثل  مجلة «الرُّشْديات» التي نشرت لها قصيدة «مشكاة»، وذلك في العدد 4- السنة الأولى عام 1913م، وكذلك قصيدة «باقة نصح، أو تذكار وداع»- بالعدد 5- السنة الأولى عام 1913م، وفي نفس العدد قطعة بعنوان "جواب لغز".

ويضيف ناصر فولي أن الشاعرة أوليفيا عويضة لها شعر مخطوط عند أسرتها تأبى إتاحة نشره، وهو ما تتمسك به الكنيسة الكاثوليكية، وقد أوصت لها بمكتبتها الخاصة، مؤكدا أنها نشرت عدة مقالات بمجلة "الثقافة القاهرية" بين عامي 1939 و1941 ذات منحى إصلاحي اجتماعي، والنادر المتاح من شعرها يدل على ثقافة عربية رصينة وأسلوب جزل، والمعجم على درجة من الوضوح، ومدخله البناء الخلقي والمنزع الإصلاحي، والتطلع إلى الحكمة، هذا فضلاً عن الشعر الوطني الذي يدعو إلى النهضة.

تقول أوليفيا في بعض مقاطع من أشعارها:

تتابعتِ الأشجانُ في مهجتي تترا .. وأوقدتِ الأحزانُ في كبدي جمرا

بلى كم قضيتُ الليلَ أشكو لواعجاً.. يكاد لظاها يحرق القلبَ والصدرا

بكيتُ وكم دبّجتُ خدّي وكم ..جرتْ دموعٌ لها شؤمُ الحوادثِ قد أجرى

ألفتُ البُكا حتى ثملتُ بخمرهِ ..وهِمتُ به حتى غدتْ مهجتي سكرى

وما كان من عاداتيَ الندبُ.. إنما هو الدهرُ أشجاني بشيمته قسرا

أما محمد موسى كريم الأقصري، الذي كان من أهم أدباء صالون "المعقل الأشهب"، والذي كان منافسا حقيقيا لأمير الشعراء أحمد شوقي، فقد ولد بمدينة الأقصر (جنوبي الصعيد) وفيها توفي، وقد عاش في مصر، وزار الأراضي المقدسة حاجًا، حفظ القرآن الكريم في الكتّاب، ثم التحق بالأزهر وأتم دراسته فيه حتى حصل على العالمية في الدعوة.

ويوضح الباحث ناصر فولي، أن موسي عمل إمامًا وخطيبًا في عدد من مساجد مدينتي الأقصر وقنا حتى عُين مفتشًا للوعظ والإرشاد في محافظة قنا، وقد كان عضوًا في حزب الوفد، وربطته علاقة مودة بزعيم الحزب سعد زغلول الذي زاره في بيته بالأقصر، وقد كان واحدًا من أركان صالون «المعقل الأشهب» الذي تقيمه الشاعرة أوليفيا عويضة في الأقصر.

تنوع الإنتاج الشعري لمحمد موسي كريم الأقصر، حيث له ديوان: «خواطر الصبا» مطبوع، وقد قدم للديوان محمود خيري نظيم  (1340هـ/1921م)، وله قصيدة نشرت في جريدة "النظام" ، 27 من يناير 1920، وقرابة 20 قصيدة نشرت في كتاب مراثي سعد زغلول، كما له «الزمان والأصدقاء» رسالة أدبية أخلاقية وضعها في قالب المحاورة والمناظرة (50 صفحة( .

ويؤكد ناصر فولي أن محمد موسى الأقصري، نظم في عدد من أغراض الشعر، وقد غلب عليه الغزل وضمنه بعض الألغاز، محافظًا على مقتضيات تقليدية القصيدة العربية، من عروض، وقافية موحدة، ومحسنات بديعية، متمردًا في غزله على بيئته المحافظة ذات التقاليد العربية المتوارثة، نظم غزلياته على قوافي العربية مرتبة هجائيًا، كاشفًا عن قدراته على النظم ومطاوعة القوافي له في غرض شعري واحد وقد كان يمتاز أن نفسه في الشعر قصير، رغم مواهبه الفذة ، وفي ديوانه تكثر المقطوعات، وقد منحه مصطفى النحاس باشا وسام الوفد وقلادة الدولة المصرية.

تضم أسرة محمد موسي كريم والأحفاد الكثير من قصص الجد الشاعر، وله قصيدة طويلة في رثاء الزعيم سعد زغلول، ومن أهم قصائده الغزلية طيف الحبيب التي يقول في مطلعها:

 أهاجَك من نُعمى خَيالٌ تَأوّبا.. فأورى زنادَ الوجد حتى تَلهّبَا

 وكيف سرى في فحمةِ الليل مَوْهنًا.. يجرِّر أذيالَ الملاحةِ والصّبا؟

 ألمّ فحيّاني تحيّةَ وامقٍ.. فقلتُ له أهلاً وسهلاً ومرحبا

دنا  طيفُ نعمى يا رعى اللهُ.. طيفَها فحثّ إلى نفسي الغرامَ وحبّبا

عُلالةُ صبٍّ ألهبَ الحبُّ صدرَهُ.. فويلٌ لنفسٍ تَدّعي الحبَّ مذهبا

ويؤكد ناصر فولى أن الشعراء المجهولين في الصعيد ليس لهم للأسف صورا فوتوغرافية لأنها نادرة، إلا إن التاريخ الأدبي دائم ذكراهم خاصة بما تركوه من إرث شعري وأدبي في المجلات المصرية القديمة.


الباحث الأدبي ناصر فوليالباحث الأدبي ناصر فولي
كلمات البحث
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة