Close ad

فقه الترشيد (2)

12-5-2022 | 12:08

لن أبدأ بما انتهيت إليه في الجزء السابق؛ ولكني أبدأ برسالة تلقيتها من قارئ عزيز؛ استنكر فيها بأسى واضح؛ مطالبتي بترشيد استهلاك الطعام؛ والحد من تخزينه؛ وأيضًا استنكر حديثي عن ترشيد ركوب السيارات؛ خاصة لمن يركبها بمفرده؛ باعتبار أن ذلك غير واقعي!
 
ويبدو أن القارئ العزيز محق في طرحه من وجهة نظره الخاصة؛ فهو تحدث عن فئة يمثلها؛ ونسي أننا شعب تعداد سكانه فاق الـ 100 مليون نسمه؛ يعيشون داخله؛ بخلاف ما يقارب الـ 15 مليون نسمة تعيش خارجه من أجل العمل.
 
الـ مليون نسمة؛ ليسوا متساوون في الإمكانات أو الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية؛ من المؤكد أن هناك فوارق واضحة؛ فهناك طبقة الأثرياء؛ وبعدها المتوسطة؛ ثم البسطاء؛ .. إلخ؛ ومما لاشك فيه أن هناك نسبة من الـ 100 مليون فقراء؛ ونسبة أخرى من أصحاب الفقر المدقع.
 
كل ذلك لا خلاف عليه؛ وغالبًا كل طبقة تعبر عن نفسها بشكل أو بآخر؛ من خلال مظاهر معيشتها؛ فالأثرياء؛ يظهر ثراؤهم بوضوح؛ أما الفقراء؛ فمنهم من تحسبهم أغنياء من التعفف؛ وهؤلاء من يحتاجون لرعاية مضاعفة؛ وليس المتسولين.
 
إلا أنه من المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة قدرًا واضحًا من ارتفاع الأسعار؛ هذا القدر منه الحقيقي؛ لأنه مرتبط بشكل وثيق بعمليات الاستيراد؛ وما يستتبعه من توفير للعملة الصعبة؛ التى ارتفعت قيمتها؛ وبالتالي ارتفعت قيمة فاتورة الاستيراد في المقابل.
 
ومنها؛ ما يعتبر ارتفاعًا غير معبر عن واقع حقيقي؛ ولكنه ارتفاع بالضرورة؛ بمعنى؛ أنه ارتفاع يجب أن يحدث؛ طبقًا لمبررات عجيبة؛ من عينة؛ أن التضخم يأكل رأس المال؛ وبالتبعية لابد من العمل على زيادة من خلال زيادة الأسعار.
 
ويتبقى في النهاية أننا نشهد حالات متباينة من زيادات الأسعار؛ منها ما يمكن تحمله؛ ومنها القاسي على الناس احتماله؛ وما بين تلك الحالات؛ هناك مواطنون بسطاء؛ يعيشون بدخل قليل للغاية؛ يكاد يكفي الاحتياجات الضرورية من طعام وشراب؛ ولا يكفي حالات الطوارئ من علاج وما شابه!
 
هؤلاء في حاجة لرعاية شاملة كاملة؛ وهنا أنبه أن الأمان الحقيقي ليس في وجود ما يكفيك من غذاء لمدة طويلة كمثال؛ ولكن الأمان الحقيقي في توافره للمحيطين بك؛ لأن العكس مؤلم؛ ولن يسلم منه أحد!
 
وهذا ينقلنا بالتبعية إلى ضرورات الترشيد؛ أي توفير ما يكفي للمحتاج دونما تقتير على الميسر؛ وللتوضيح؛ قد نشاهد فرحًا قد تصل كلفته لعدة ملايين من الجنيهات؛ وهنا يبدو الأمر تدخلًا في شأن الناس؛ فهم أحرار فيما ينفقون؛ ولكن الحقيقة ليس تدخلًا بقدر ما هو توضيح للأمور؛ فمشاهدة البسطاء والمحتاجين لهذا البذخ في الإنفاق؛ بكل تأكيد أمر مستفز؛ ويدعو الناس للحنق!
 
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؛ باتت المعلومات المٌصورة عن تلك الأفراح متاحة للجميع؛ وهنا أٌكرر أن كلٌ حر في ماله؛ ولكن في تلك الظروف من المهم التريث وأيضًا الترشيد؛ فما تنفقه في عدة ساعات؛ قد يكفي عدة آلاف من الأسر لمد تصل لأيام كثيرة!
 
إننا في حاجة ماسة لاحتواء الناس؛ والتعامل معهم برفق؛ فقد أصبحت الحياة بدورها صعبة المراس؛ وليست باليسيرة كما اعتاد الناس؛ حياة تحتاج لتكاتفنا ليعبر منا الضعيف والفقير إلى رحابة مأمولة؛ تلك الرحابة ليست كرحابة البعض؛ التي تظهر العيش الرغد؛ ولكنها رحابة وجود القليل؛ بل القليل جدًا من الطعام المطلوب لسد الرمق.
 
،،، والله من وراء القصد
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الرحمة

أيام قلائل ويهل علينا شهر رمضان المبارك؛ وأجد أنه من المناسب أن أتحدث عن عبادة من أفضل العبادات تقربًا لله عز وجل؛ لاسيما أننا خٌلقنا لنعبده؛ وعلينا التقرب لله بتحري ما يرضيه والبعد عن ما يغضبه.

الأكثر قراءة