آراء

الحوار الوطني وحصاد المستقبل (١)

9-5-2022 | 16:07

إن أبسط مفهوم للحوار الوطني أنه الفرصة لتبادل الرأي عبر النقاش المفتوح والموضوعي في القضايا المهمّة بين مختلف فئات الشَّعب، وفصائله وأحزابه وصولًا إلى نقاط مضيئة من شأنها اكتشاف المسارات السليمة والناجعة نحو تحقيق نتائج إيجابية في شتى القضايا الملحة، والتصدي بشكل متوافق للأزمات الداخلية والخارجية حتى إذا كانت هناك اختلافات منهجية في بعض الرؤى؛ مما يحدث نوعًا من إثراء الحوار عبر التوافق، تلك الخطوة المهمة نحو إجراء مجموعة من الإصلاحات الضرورية لتدشين الجمهورية الجديدة، التي ينبغي أن تكون على دعائم قوية بدءًا من نظام ديمقراطي سليم إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية وتعليمية وصحية لتكون ركيزة قوية ومتطورة للجمهورية الجديدة التي ننشدها.

 
ولقد جاء إعلان الرئيس السيسي، بإطلاق حوار سياسي مع جميع القوى دون استثناء ولا تمييز، في توقيت مهم ولحظة تاريخية، ليمثل نقلة نوعية في المسار السياسي الذي يعد هذا الحوار تدشينًا لمرحلة جديدة فيه، فهو بمثابة خطوة؛ بل وثبة في سياق إجراء مجموعة من الإصلاحات الضرورية المؤكدة للمسعى باتجاه الجمهورية الجديدة، والتي لابد لها من دعائم لا غنى عنها يمكن رصدها في نظام ديمقراطي سليم يسهم في دعم الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية، مما يؤثر بالتالي إيجابيًا في مواجهة الأزمات المترتبة على الصراعات الخارجية بكياسة وفطنة؛ حيث اليد الواحدة تدفع أي مخاطر وتبني قواعد جديدة للتنمية.
 
ولعلنا لم ننس كيف أن الحياة السياسية كانت في السابق متعثرة وتفتقد إلى أي حوار جاد بين الأطياف والأحزاب المختلفة، ما أدى إلى زيادة الفجوة واتساع الهوة بين الشعب والقيادة السياسية، الأمر الذي ترتب عليه أن خيمت ظلال اليأس على الطوائف الشعبية المختلفة والأحزاب المهملة، وفقد الجميع الأمل في بلوغ إي إصلاح مجتمعي أو سياسي أو اقتصادي إلى أن ساءت الأمور تمامًا، لكن شعب هذا الوطن يعرف قيمته جيدًا وامتداده التاريخي والحضاري، فأبى إلا أن يكون هناك مسار مغاير يستحقه هذا الوطن وأبناؤه، حتى وصلنا إلى اللحظة الراهنة ومرحلة شهدت نموًا سريعًا ونضجًا في بناء الدولة على المستويات كافة، إذ كان لابد من إعادة تقييم وإصلاح تشوهات وفجوات السنوات العجاف وعقود التراجع على المستوى السياسي الذي صاحبه ذلك التدهور، في تلك المرحلة القاتمة التي افتقدت لأي ظلال من حياة سياسية جادة تفتح الطريق بإخلاص ومسئولية يتحملها الجميع في الحفاظ على هذا الوطن وبنائه ودعم أبنائه، حتى كانت هذه البيئة المعطوبة سياسيًا مرتعًا للجماعات المتطرفة التي لعبت على غياب الوعي وعلى الإحساس باليأس، وكأن من أفسد الحياة السياسية قدم أبناء الشعب ضحية على طبق من ذهب للمخربين من أصحاب الفكر المتطرف.
 
لكن القيادة السياسية في الوقت الراهن وعت الدرس جيدًا، بل إنها تدعم بكل السبل أسباب استمرار الحوار والتقارب بين طوائف الشعب المختلفة والذي كانت نتيجته تلك الدعوة المهمة، لتبادل الرأي وإثراء الحياة السياسية، وإتاحة الفرصة للأحزاب في التعبير عن تطلعاتها تجاه البلد طالما أن الأهداف العامة واحدة وهي المصلحة العليا للوطن، وكان فارقًا ودالًا أن يأتي الحوار الوطني بعد أن تمكنت مصر من دفع دوامة الفوضى التي أثرت على المنطقة، والحد من مخاطر الإرهاب، ودحرت نواياه الدنيئة، فضلًا عن تحقيق معدلات نمو جيدة، رغم جائحة كورونا التي أثرت على كل العالم بتداعياتها الممتدة للآن، وبعد أن شهدت مصر طفرة على مستوى البنية الأساسية والإصلاحات وتنظيم التعاملات بين المواطنين والحكومة وإتاحة الفرصة للشباب في التعبير عن أنفسهم وتقديم تجاربهم وأحلامهم ومشاركاتهم السياسية والاجتماعية وإعطائهم الثقة، وكذا دعم جميع الفئات المختلفة من الشعب بعد أن عانت من إهمال كبير خلال عقود مضت.. وصولًا لتوفير مأوى ومسكن مناسب للمصريين في شتى أرجاء البلاد وتدشين والدفع بالمشروع العظيم حياة كريمة وغيرها الكثير من الإنجازات التي يأتي الحوار الوطني بمثابة تتويج لها، وخطوة ضرورية، تحتاج إلى مناخ من الثقة المتبادلة، والعمل على إحداث طفرة في العمل السياسي، بما يسهم بشكل كبير في تطوير التشريعات المنظمة للممارسة السياسية، بما يكفل إبراز قيادات تتميز بالكفاءة والوعي السياسي، والإسهام بشكل أكبر في تفعيل دور مجلسي النواب والشيوخ، على أن تكون البرامج السياسية هي أساس التنافس في الحياة البرلمانية، وكذلك إعادة النظر في بعض القوانين التي يُساء استخدامها، والمنطوية على عبارات مطاطة من شأنها أن تؤثر بشكل سلبي كبير على مستقبل الشباب، وأيضا تقليص فترة الحبس الاحتياطي، وسرعة إحالة القضايا إلى القضاء للبت فيها دون ترك متهمين وراء قضبان السجون دون حكم قضائي.
 
وسوف ينجح بالتأكيد الحوار الوطني حين يشارك فيه الجميع بصورة عادلة دون تمييز حزب على آخر أو أي كيان على آخر، وأن تكون نتائجه وتوصياته ملزمة، وتُنفذ بشكل سريع لأنها نتاج لتوافق مجامعي، كما يُرجى أن يترتب على هذا الحوار الجاد إحياء أجهزة الحكم المحلي، التي تمثل جدارًا أساسيًا في البناء السياسي، بحيث تُعاد على أسس وقواعد ديمقراطية تمكنها من تفعيل دورها في الحياة السياسية، وأن تدعو لها المتحمسين للتنمية والتطوير والإسهام في حل مشكلات المواطنين بإخلاص، الأمر الذي سيكون فارقًا في علاج المشكلات المختلفة، فالحوار الوطني من شأنه تحقيق الاستقرار المأمول، وزيادة فرص توفير مناخ مناسب للتنمية وجذب الاستثمارات، وعودة الصناعات الوطنية، وتقليل مساحة الاستيراد لصالح الصناعة الوطنية، والقدرة على الإنتاج والمنافسة العالمية، عبر المساهمة في تطوير التعليم وجعل مخرجاته مناسبة للأسواق داخليًا وخارجيًا، وكذلك توسيع الرقعة الزراعية، وتطوير البحوث في مجال المزروعات حفاظًا على المياه والتقليل من الهدر، وتوفير السلع الأساسية والغذاء دون الاعتماد على الخارج؛ مما يسهم بشكل كبير جدًا في تجنيب البلاد أي أزمات دولية متوقعة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. خالد قنديل يكتب: وينفقون مما يحبون

هل فضل الله الغني فأغناه، ونقم على الفقير فأفقره؟ بالطبع كلا.. يقول تعالى فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ

د. خالد قنديل يكتب: جبرُ الخواطرِ.. كنزُ الدنيا والسماء

ربنا يجبر بخاطرك .. ما أجمل أن تسمع أصداء هذا الدعاء يتردد في جنبات مكان عبرت فيه، وكنت قد طيّبت خاطر عجوزٍ بأن مددت لها يد العون تعبرُ طريقاً أو قدمت لها طعامًا أو شرابا أو أي مساعدةٍ كانت

د. خالد قنديل يكتب: درس في التكافل مع ست الحبايب

لقد دأبت والدتي الحبيبة على نصحنا أنا وأخوتي والعمل على تنشئتنا محبين وتواقين للخير ، فمنذ كنت طفلًا صغيرًا إلا وكانت أمى الحبيبة تتبع خطانا أنا وإخوتي لتبث فينا تعاليم الدين الحنيف

د. خالد قنديل يكتب: الصوم والشعور بالآخر

ما إن تدق الساعات من مسافةٍ ليست بعيدة إيذانًا باقتراب الشهر الفضيل، إذا بنا نستمع إلى رمضان جانا ، تنطلق من جميع الأجواء، ثم من جديد يعود إلينا شهر رمضان

د. خالد قنديل يكتب: العلاقات المصرية - الأمريكية في ظل الصراع الدولي

لا شك أن دور مصر الحيوي وموقعها الجغرافيا يجعل الدول الكبرى تتنافس على كسبها، وفي ظل اشتداد الاستقطاب الدولي، فإن إنحياز مصر لأي طرف سيعزز فرصته في التنافس العالمي

د. خالد قنديل يكتب: الدرجات العلمية وسوق العمل.. نظرة في المستقبل

لا شك أنه في ظل الاهتمام بدعم قدرات الدولة المصرية في جميع المجالات، فقد أولت القيادة السياسية اهتمامًا كبيرًا بالتعليم والبحث العلمي، ذلك أن هذا المسعى هو الطريق القويم في بناء الأمم

د. خالد قنديل يكتب: ارتفاع الأسعار.. الوعي في مواجهة الجشع

على الرغم من أن تداعيات الحرب مستمرة بين روسيا وأوكرانيا، وتلقي بظلالها سلبًا على كثير من المناطق في العالم، من واقع ارتباط النظام الاقتصادي العالمي، غير

د. خالد قنديل يكتب: أين عقل العالم؟

يتابع العالم كله بقلق الأخبار المتواترة والمتتالية عن الحرب الروسية - الأوكرانية، مما دفع بكثيرين القول إنها إيذان بحربٍ عالمية ثالثة، خصوصًا بعد تفاقم

د. خالد قنديل يكتب: الحرف اليدوية .. خصوصية الهُوية ودعم الاقتصاد بالجمهورية الجديدة

لم يعد خافيا على أي متابع للشأن المصري في ظل التوجه بعزيمة وإصرار نحو الجمهورية الجديدة التي بدا كثير من ملامحها في الأفق، هذا المسعى الدؤوب لإعلاء قيمة الهُوية المصرية

الأكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة