Close ad

لكي يكون المرء مبدعًا ومبتكرًا

9-5-2022 | 12:03

يثير الحديث عن الإبداع والابتكار قضايا كثيرة تترواح ما بين المعقول والعبثي. فقد يلحق البعض الإبداع بأجناس أو أديان وقوميات وينفيها عن مثيلاتها في الشعوب الأخرى. وقد تفرز هذه التحليلات أكاذيب أكبر تصل إلى أفكار حول جدارة الشعوب المختارة والأجناس الخالصة وتفوق الجنس الأبيض الأوروبي والعرق الآري، وهي أفكار تدخل في خصام مدهش مع ما تم الكشف عنه من آثار تفوق وتميز الشعوب الموصوفة بالتخلف، سواء بالنسبة للفن والفكر، أو الإبداع والابتكار. 

وقد تبنى أفكار النوع واللون هذه كثيرون من الفلاسفة منذ أيام أرسطو، خصوصا في كتابه "السياسة"، ووصولا إلى حكام محدثين مثل دونالد ترامب الذي دعا خلال إقامته في البيت الأبيض إلى استقبال مهاجرين بيض من النرويج وليس من دول أخرى وصفها بالقبيحة. 
 
وقد تكون الثروة عاملا حاسما في عالم اليوم بخصوص قدرة الشعوب على الابتكار، أو مانعا عند البعض على خلفية نمطية التفكير الإداري والبيروقراطية، لأنه على سبيل المثال فإن مئات الاختراعات تسجل في بلاد عدة سنويا ومن بينها مصر، من دون قدرة على ربط أو تحويل البراءات إلى منتجات تباع في الأسواق. 
 
ويجيب كتاب الدكتور هشام حافظ "المبتكر العالمي.. صعود الأمم وهبوطها في مجال الابتكار" الصادر حديثا عن مركز الأهرام للترجمة والنشر، على تساؤلات عدة، لعل أهمها هو كيف يكون المرء مبدعًا ومبتكرًا. ويشترط المؤلف أن يمتلك المبدع والمبتكر مهارة التعامل مع البشر والتماهي مع القيم على اختلافها لجعل إبداعه رحبًا، حيث تعني محدودية التجارب وضيق أفقها، والافتقار إلى الانفتاح على رؤية العالم بعيون الآخرين بالضرورة عسر الابتكار، كما في عسر الهضم، إنما فكريا. ويعني د. حافظ بالابتكار عدم القيام بما يفعله الآخرون بالفعل، حتى ولو بطريقة أفضل، بل الإتيان بشيء جديد لم يعهده أحدٌ من قبل. وأن هذا الأمر يستلزم عملاً شاقًا، ومجالاً رحبًا، وخيالاً متقدًا.
 
ولكن ينشغل الكتاب بقضية "وطن" الابتكار، فصاحبه كما يعرف نفسه بـ"تاجر الورق" الذي تلقى تعليمه الأولي في مصر ثم استكمله في النمسا، وأثناء دراسته الجامعية عمل نادلا وبعد تخرجه عمل في تجارة التجزئة، إلى أن سافر إلى دبي في الإمارات العربية المتحدة لينطلق من هذه المدينة التي بدأت في تلك الأيام من التسعينيات في تأهيل نفسها، كمجتمع يشجع الابتكار. تجربة د. حافظ كأفلام السينما وأسطورة علي بابا الذي فُتح له الكنز، فجاب الهند والسند وبلاد تركب الأفيال وخطا على طريق الحرير المستحدث.
 
يتساءل صاحب الكتاب الذي ترجمه د. أمجد حسن بلغة بديعة: لماذا كانت بعض أجزاء العالم في بعض الأوقات محركات ابتكار رائعة وبحارًا للإبداع على عكس أماكن أخرى؟ ولماذا ركدت وتأخرت أماكن كانت ذات يوم في طليعة الابتكار؟ وعنده فإن دور الابتكار حاسم في مسائل الثروة والقوة والاقتصاد، فقد ركز ومعه المشاركون في تأليف الكتاب (أستاذ التاريخ بجامعة فلوريدا د. كينيث ليبارتيتو والمؤرخة د. باتريشيا واتسون) على محاولة معرفة الأماكن التي ستقود الابتكار في السنوات القادمة، والأماكن التي قد تكون معرضة لخطر فقدان ميزتها الابتكارية التنافسية.
 
ويذهب د. حافظ إلى رسم خريطة الابتكار في العالم اليوم، فبينما سقطت إمبراطوريات الابتكار التي كانت عظيمة ذات يوم، من روما القديمة إلى الخلافة الإسلامية إلى الصين الإمبراطورية، برزت الآن أجزاء كانت تُعد هامشية مثل شمال أوروبا أو أمريكا الشمالية لتحل محلها. أما قوائم أو دوائر الابتكار الحالية فهي مركزة في قلة رفيعة المستوى مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا والسويد وربما كوريا الجنوبية وإسرائيل والهند وسنغافورة وهونج كونج (وهي الآن جزء من الصين). ودائرة أخرى تحاول اللحاق مثل أستراليا وإسبانيا والنمسا وايطاليا، ودائرة ثالثة متخلفة عن الركب في إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
 
وربما يرد د. حافظ على تساؤلات مرتبطة ليس بتقرير الحالة بقدر صياغة الحلول، ووضع من خلال تجربته مبادئ للابتكار، الأول: الملاحظة والتفكير النقدي وهو أمر يبدأ بالاستثمار في التعليم الذي يتسم بالقدرة على التفكير العميق بما يعزز الإبداع. والثاني: التعلم واللحاق بالركب واستيعاب الأمور. أما المبدأ الثالث: التواصل والترابط والانفتاح على الآخرين. وتركز فصول الكتاب السبعة على تاريخ الابتكار منذ جداريات الكهوف وحتى الآن، مرورا بتوصل الجنس البشري إلى الزراعة، ثم صهر المعادن، السفن الشراعية والمجدافية، السكك الحديدية، إلى محركات الاحتراق الداخلي. ولم تكن التجارة سوى مانحة التطور لحضارات كبرى، في الشرق الأوسط والهند والصين وشمال وغرب أوروبا.
 
ويذهب المؤلف إلى أن عصر نهضة الإسلام من أعظم العصور في تاريخ الابتكار، لأنه صاغ ثقافة قوامها التعلم والإبداع والاختراع التجاري والتكنولوجي. وتضافرت عوامل لتمكين ذلك العصر الذهبي، شملت توق عميق للمعرفة والتسامح وقبول الثقافات الأخرى. بينما كانت التجارة عنصرا حاسما لنمو الامبراطورية الاسلامية الشاسعة وتطورها. وجاء المؤلف على ذكر ابتكارات عملية عدة برع فيها العلماء المسلمون.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: