آراء

حدث بالفعل.. من علمني حرفًا صرت له «إيه»؟

11-5-2022 | 10:36

الغلط فين؟ سؤال تربينا وكبرنا وقد اعتادت عليه آذاننا وتربت عليه عقولنا من خلال البرنامج الإذاعي الشهير "الغلط فين؟" الذي عهدناه يتنقل في كل مكان يكتشف المواهب ويختبر المعلومات على يد الرائع القدير الراحل الأستاذ على فايق زغلول، الذي تعلمنا أنه لابد ونحن  نتذكره هو وأمثاله أن يسبق اسمه لقب "الأستاذ".. هكذا تعلمنا. 

 
لم نعد نتابع البرنامج ولا نعلم إن كان لا يزال مستمرًا أم لا، لكنه حفر في العقول والقلوب سؤالًا مشروعًا "الغلط فين؟" فبقي ملازمًا لأجيال كثيرة، يطفو على سطح الذاكرة كلما رأوا أشياء لا تتفق مع العقل ولا القلب ولا العرف ولا الدين ولا أي شيء!
 
أقر وأعترف بالاختلاف بين الأجيال في الفكر والتوجهات، وقبل ذلك الأسلوب، وأتفق تمامًا مع ضرورة وجود هذا الاختلاف، فلكل جيل سماته المميزة وطموحاته الخاصة، وله كل الحق في سبيل تحقيقها أن يبتكر أساليب جديدة، بل وأن يستحدث ألفاظًا تمثل لغته الخاصة، كل ذلك رائع؛ لكن لابد وأن نقر ونعترف ولا نجادل في وجود أصول لا يمكن أن تتغير.
 
احترام الصغير للكبير مثلًا، هل يمكن أن يأتي يوم ونقول إنه أصبح موضة قديمة؟ هل يجوز في أي زمان أو مكان أن يصبح عقوق الأبناء للآباء من علامات التقدم والتحضر؟ هل يمكن أن تصبح الصلاة والعبادة تخلفًا ورجعية؟ هل يمكن أن يصبح الشذوذ الجنسي هو القاعدة المستقرة بين أفراد المجتمع؟ 
 
ولأنني ممن تربوا على مشروعية سؤال "الغلط فين؟"، أجد نفسي غصبًا عني أنتبه إلى تصرفات تربينا على أنها "غلط" و"عيب" و"ما يصحش"؛ رغم ذلك ولأنني على يقين بضرورة الاختلاف بين الأجيال، ولأنني أب سوف يواجه ذلك مع أبنائه، فقد اعتدت مراعاة ذلك الفارق الزمني قبل الحكم على أي تصرف مستحدث.
 
لذلك وحتى أتجنب السقوط في تلك الفجوة الفكرية فتضيع لغة الحوار والتفاهم بيني وبينهم، لا أقول هذا الأمر "غلط" إلا بعد مناقشته ومراجعته مع نفسي، ومع آخرين إذا تطلب الأمر، آخذًا في الاعتبار الاختلاف والتغير والتطور باعتبارها أمورًا لازمة لاستمرار الحياة.
 
من الأشياء التي لاحظتها ولم أستطع أن تمر أمامي مرور الكرام أسلوب التعامل مع المعلمين حاليًا، طبعًا لا يوجد حضور بالمدارس في ظل انشغال الأبناء طيلة اليوم في الدروس الخصوصية للحصول على أعلى الدرجات، وأدى ذلك إلى فقدان الرابط اليومي التربوي الذي تربينا عليه بين المعلم وتلاميذه، انتهى زمن الأستاذ الذي كان يربي قبل أن يُعلم.
 
وجاء زمن المدرس الخصوصي الذي لا تهمه التربية ولا يشغله سوى تحقيق أماني الأهالي بحصول الأبناء على أعلى الدرجات، وعلى فكرة هو يفعل ما يريدونه تمامًا وبمنتهى الإتقان، وهم يطلبون ما فرضه عليهم مكتب التنسيق وسوق العمل ومتغيراته.
 
والأبناء يدركون أصول اللعبة، هم على يقين أنهم يشترون جهود المعلم الخصوصي "بفلوسهم"، وإذا كان الأمر كذلك، إذن يحق لي الاعتراض على جودة السلعة التي أشتريها بفلوسي، وعلى أسلوب تقديمها وعلى أي شيء قد لا يتماشى مع راحتي في قاعة الدرس التي ارتادها ...إلخ.
 
إلى هنا لا توجد مشكلة، تعبير الطلاب عما يجول بخاطرهم وما يضايقهم يعتبر ظاهرة صحية، لكن أن يتحدث الطالب مع أستاذه بأسلوب "جرى إيه يا مستر، إنت بتكلمني كده ليه؟ أنا ما مفيش حد يكلمني كده"، أو "أنا بادفع فلوس وعايز حقي".. وغيرها من الأقوال لا يمكن ذكرها لبذاءتها الشديدة.. أو هكذا يراها أبناء جيلي.
 
من علمني حرفًا صرت له عبدًا، هل باتت موضة قديمة؟ وهل ذلك يقودنا للأمام أم يرجع بنا آلاف الأميال إلى الوراء؟ الجيل الجديد يقول: لماذا أصبح له عبدًا؟ هو يتقاضى المال نظير تعليمي! أنا أتعلم بفلوسي، وجيلنا يقول: هو علمنى حرفًا وحرفًا فصارت كلمات وعبارات ثم معرفة بكل شيء من حولي، علمني التجارة والقانون والطب والهندسة والآداب.. إلخ، فأصبحت مصدر رزقي، وسبب تميزي، وقبل ذلك علمني آداب الحياة.
 
كان مربيًا قبل أن يكون معلمًا، كان يعلم ذلك ويؤديه بحب، كان يدرك دوره ومشاركته للأسرة في التربية؛ لذلك أقف له إجلالًا واحترامًا إذا رأيته، ولا أتردد لحظة واحدة في أن أقر وأعترف أنه في وقت ما قد علمني حرفًا فصرت له عبدًا حبًا وتقديرًا واعترافًا بفضله.
 
أين نحن الآن يا سادة؟! وإلى أين المصير؟!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. حسام الإمام يكتب: الزمن الجميل ( 2 )

مرة أخرى، وليست أخيرة بإذن الله، ينجح جروب الزمن الجميل في إصلاح ما أفسدته الأيام. ينجح في لم شمل صحبة وأصدقاء تفرقوا منذ أكثر من ثلاثين عامًا. وفقًا

د. حسام الإمام يكتب: حدث بالفعل.. جبر الخواطر

ثم سأل الثالث : وأنت ؟ قال له الحقيقة أن سيارتى بسيطة وقديمة بعض الشئ ، ماركة فيات .. قال له : انا أحب تلك السيارات جداً ، إنها سيارة جميلة المنظر وموفرة

د. حسام الإمام يكتب: حدث بالفعل.. الملك نصاب

أثناء رحلتى إلى مقر عملى بشارع مراد بالجيزة تعودت أن أسير بعض الدقائق مترجلًا كنوع من الرياضة، وخلال تلك الفترة كنت قد اعتدت الذهاب إلى العمل مرتديًا بدلة كاملة

د. حسام الإمام يكنب: حدث بالفعل (3).. انتظروني في رمضان

كان ذلك في أحد شوارع مدينة نصر الكبيرة والمزدحمة، بعد شراء بعض المستلزمات وأثناء عودتي إلى زوجتي التي كانت تنتظرني أمام أحد المحال التجارية، رفعت يدي لأشير لها كي نتحرك

د. حسام الإمام يكتب: «سيبوهم يغلطوا»

أنا شخصيًا أؤمن بأن التجربة هي خير معلم في حياة الإنسان، وتعودت على ذلك مع نفسي ومع ابنائى، أقول رأيي وفقًا لما أتيح لي من تجربة وخبرة

د. حسام الإمام يكتب: اضغط الصورة تطلع حلوة

المتعارف عليه عند مشاركة المقالات على الفيسبوك أن يتم نشر جزء صغير فقط من المقال، مع التنويه إلى أن قراءته كاملاً تتطلب الضغط على الصورة أو الرابط لفتح الصفحة الرئيسية للجريدة

د. حسام الإمام يكتب: عزيزي الرجل .. الزم حدودك

أتعجب كثيرًا عندما أرى هؤلاء الرجال الذين يغضبون من مناداة المرأة بحقوقها، ومساواتها مع الرجل، ويصرون على التمسك بكلمات فارغة مثل الرجولة وتحمل المسئولية....إلخ.

د. حسام الإمام يكتب: حدث بالفعل (2) .. تحت القطار

ليس من سمع كمن رأى، ولا من رأى كمن عاش التجربة بتفاصيلها، أن نرى على شاشة التليفزيون شخصاً يرقد تحت القطار محتضناً ابنته لينقذها، أو هذا الذي يسقط وهو يحاول اللحاق بالقطار للذهاب إلى عمله

د. حسام الإمام يكتب: حدث بالفعل.. الطيارة تغرق (1)

أقلعت الطائرة من مطار دبي متجهةً إلى مطار سيدني فى أستراليا، سعادة لا توصف، فهى المرة الأولى التى أزور فيها أستراليا، ويحتمل جداً أن تكون الأخيرة

د. حسام الإمام يكتب: كل النساء جميلات

يعتبر جمال المرأة من الأمور التى قد لا يدرك البعض حقيقتها، ولولا ذلك ما سمعنا أحدًا يقول هذه امرأة جميلة، وتلك قبيحة، لأن الله سبحانه وتعالى قد خلق كل النساء - فى رأيى - جميلات.

د. حسام الإمام يكتب: ست البنات

الحكاية ليست غريبة، ومن المؤكد أن هناك ما هو أغرب وأعجب منها ألف مرة، أن ترى شخصًا فى مكان لا يناسب مؤهلاته هو أمر عادى جدًا، وربما يكون الأمر غير الطبيعي والمثير للدهشة أن نتحدث عن ذلك.

الأكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة