Close ad

المسيح عليه السلام.. معلمًا

8-5-2022 | 16:28
الأهرام المسائي نقلاً عن

لا رسالة حق بغير رسول، فالرسول هو مبلغ الرسالة وجوهرها، وهو أصل قوتها وحيويتها، والمسيح هو أصل رسالة المسيحية وكل ما عداه فرع عليه، وما من رسول أرسل إلا سلحه الله بملكات وقدرات وآيات ومعجزات تكفل له نجاح رسالته.

وهناك شرطان لنجاح أي دعوة حق أولهما أن يكون العالم محتاجًا إليها وقتها والشرط الثاني أن يكون مستعدًا لسماعها، فالحاجة إلى الدعوة كالعلة، والاستعداد لسماعها كالشعور بالعلة أو الاستعداد لطلب الدواء، كما يقول العقاد.

والعالم في عصر ميلاد المسيح كان محتاجًا إلي دعوة المسيح عليه السلام وكان أيضًا مستعدًا لسماعهما، فالعالم كان ينتظر المسيح المنتظر الموعود في تلك الحقبة من الزمن، وكان يؤمن أيضًا بإفلاس الوثنية ويعيش في بؤس ويأس مستسلمين لشهوات الدنيا أو لعبادة الطقوس.

ومن أهم شروط نجاح هذه الدعوة قدرة الداعي علي كسب النفوس واجتذاب الأسماع، وكان ذلك متوفرًا بقوة في صاحب الدعوة ورائدها نبي الله العظيم المسيح بن مريم، والذي كان يطلق عليه بحق "المعلم" وكان ينادي بهذا الاسم في كل المحافل والمجامع، وناداه بهذا اللقب تلاميذه كما ناداه به خصومه، وروته عنه الأناجيل مرات كثيرة.

وحقيق أن يطلق علي السيد المسيح أنه "المعلم" بحق فله الريادة في التعليم والإقناع وغزو القلب بسهام الكلم الطيب والحب الفياض، فقد كانت مهمته الكبرى تعليم الناس معاني الدين والخلق الكريم والمحبة الصافية والإحياء الروحي عن طريق هذا التعليم.

"المعلم" أبرز لقب أطلق علي المسيح عليه السلام، ولم يكن إطلاقه عليه نوعًا من التزيد أو اللغو كما يفعل الناس الآن، فالمسيح كان جديرًا بهذا اللقب، فحديثه فيه علم واسع بالكتب والأسفار وبديهة حاضرة في الاستشهاد بها والتعقيب عليها، وكان يرتل مزامير داود ويحفظ كتب أرميا وأشعيا وحزقيال.

وكما يقول العقاد فإنه كان يعرف اليونانية وحديثه مع بيلاطس كان بها، وكان يعرف العبرية الفصحى التي تدرس بها كتب موسى والأنبياء ويعرف الأرامية التي يتحدث بها البلغاء.

سيقول البعض أن الكتبة والفريسيين كانوا يعرفون هذه اللغات ولكن أرواحهم وكلماتهم كانت ميتة، أما المسيح فكانت كلماته تبث الحياة والحب والأمل في النفوس، "وكان ينفث في الخواطر تلك الراحة التي تشبه راحة السريرة حين تتناسق فيها الأنغام التي كانت متنافرة قبل أن تجمع وتصاغ" بحسب تعبير العقاد.

لغة السيد المسيح كانت لغة فريدة رائعة في كلماتها ومفرداتها وبلاغتها وسياقاتها وأمثلتها ولولا ذلك ما أخذت بمجامع القلوب وما أثرت ذلك التأثير الرائع في اتباعه.

كان أسلوبه كما يرى العقاد نمطًا فريدًا بين النثر المرسل والشعر المنظوم يلائم دروس التعليم التي تحفز الذاكرة والخيال، وكان يكثر فيه الترديد والتقرير وأبرز مثال علي ذلك: "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم، لأن من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له الباب، من منكم يسأله ابنه خبزًا فيعطيه حجرًا، فإذا كنتم، وأنتم أشرار، تحسنون العطاء للأبناء، فكيف بالأب الذي في السماء يعطي الروح القدس لمن يسألون ".

وكذلك نذيره القوي لأورشليم والذي قال فيه: "يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء، وراجمة المرسلين، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا، هوذا بينكم رهين بالخراب".

وكل هذه النماذج من حديثه عليه السلام تدل علي سلاسة أسلوبه وروعة سياقاته التي يسوق من خلالها خطاباته الدعوية فهو يعتمد علي الأمثلة السهلة البسيطة منها ما يعول علي الحكمة مثل "لا تطرحوا الدرر أمام الخنازير"، "بالكيل الذي تكيلون يكال لكم"، "أيها المداوي داو نفسك"، "خمر جديدة في زقاق قديمة"، "لا تدع يسارك تعلم بما تصنع يمينك"، "من ثمارهم تعرفونهم"، "لا كرامة لنبي في وطنه".

ومنها ما يبني علي القياس "إن كنتم تحبون من يحبونكم فأي فضل لكم؟ أليس ذلك شأن العشارين".

ويستخدم المثل أحيانا في تبكيت من ينكرون عليه صحبة العصاة والخاطئين فيقول "لا حاجة بالأصحاء إلي طبيب، إنما المرضى يحتاجون إلي الأطباء"، ومنه "إن كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام كم يكون".

وأحيانا يستخدم المثل الذي يعول علي التشبيهات تسهيلًا علي تلاميذه "أنتم ملح الأرض، فإن فسد الملح فبماذا يصلح. إنه لا يصلح إذن إلا أن يلقي علي التراب ويداس، أنتم نور العالم، ولا خفاء لمدينة قائمة علي رأس جبل، وما من سراج يوقد ليوضع تحت المكيال ولكنه يرفع علي المنار يستضيء به جميع من في الدار"..

وكان السيد المسيح رائعًا في كلماته وأمثاله التي تجلي المعاني الدقيقة بالمقابلة بين الأضداد فيقول "يرون القذي في أعين غيرهم ولا يرون الخشبة في أعينهم"، ويقول "يحاسبون علي البعوضة ويبلعون الجمل"، "في الظاهر جدران مبيضة وفي الباطن عظام نخرة"، "غني يدخل باب السماء كحبل غليظ يدخل في سم الخياط".

كانت مثل هذه الكلمات الدقيقة الرائعة تأتي تلقائية وعفو الخاطر أو جوابًا علي سؤال أو تعليقًا علي حدث، أو شرحا لقضية، تأتي في سهولة ويسر ودون تعقيد، وبعض حكمة ومواعظة قد تكون جاشت في نفسه في أوقات خلوته ومناجاته لربه فانتظمت كحبات العقد من اللؤلؤ، كان حضوره المشرق وعطفه وحنانه يزيدان الكلام بهاءً ونورًا ويوصلانه بسهولة إلي القلوب، وكانت كل كلمة منه تزيل وحشة أو ترفع حاجزًا أو تدني مسافة بينه وبين الناس، إنه بيان المعلم المحبوب، سلام على المسيح عليه السلام، وعلي جميع رسل الله.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة