Close ad

المدارس.. رأس مال الشعب!

7-5-2022 | 12:44

معروف عن عهد محمد علي أنه كان عهد إصلاح التعليم.. فكم كان عدد المدارس وقتها؟ مصر كلها كان بها (50) مدرسة ابتدائى.. بها (5500) تلميذ، ومدة الدراسة هي 4 سنوات... ثم (3) مدارس ثانوى، 2 بالقاهرة وواحدة بالإسكندرية!
 وبعض تلاميذ الصف الأول الابتدائي سنهم (12) سنة.. وبعض مدرسي الابتدائي سنهم (15) سنة أو أقل! الأغرب من هذا أن هذه المدارس تقلصت إلى (5) مدارس فقط على عهد الخديو سعيد.. و(780) تلميذًا فحسب.
 
ولا تصدق أحدًا يقول لك إن زمان هو عهد الراحة والبساطة.. لا متاعب ولا زحام.. فرغم أن عدد السكان لم يتجاوز (5) ملايين نسمة.. لكن بيوتهم تضيق بهم.. وفصول المدارس تضيق بالتلاميذ.. لأن الفصول والمدارس والبيوت فقيرة شحيحة ضيقة، حتى فى بدايات عهد الثورة.. كانت بعض الفصول الدراسية بها (60) تلميذًا وأكثر.. وصدر قانون لتحديد عدد التلاميذ بحيث لا يزيد على (48) تلميذًا، واضطروا لكسر هذا القانون بعدها بقليل! إنها نسبة وتناسب.. المصريون اليوم كثيرون.. لكن المدارس تستوعب أبناءهم. وفى الماضى كان المصريون أقل.. والمدارس تطردهم وتضيق عليهم!
 
سؤال أعرف إجابته.. هل جربت يومًا موقفًا مثل هذا: أن الكلية التي تنتسب إليها ألغيت واختفت فجأة؟ أو أن المدرسة التى تدرس بها أغلقت أو نقلت.. وصارت أقرب مدرسة إليك، مثل المسافة بين مدينتين؟.. هذه الأمور كانت معتادة جدًا فى الماضى.. فمدرسة الألسن التي أنشأها محمد علي، جاء بعده الخديو سعيد وأغلقها.. كما أغلق مدارس ابتدائية كثيرة، وألغى الهندسة والطب وألغى البعثات الخارجية.. ومن بعده الخديو عباس الذي أكمل مسيرة الإغلاق والإلغاء،  فالطالب المسكين يفاجأ بأن مدرسته التي اعتادها قد نقلت إلى آخر الدنيا.. وقد يفضل المدرِّس والطالب وقتها أن يظل بلا مدارس ولا تعليم ووجع قلب.
 
وقد كان خالي فى مدرسة ابتدائية بعيدة، فكان يضطر ليصحو مع الفجر ثم يستقل القطار.. ثم يسير مسافة نصف ساعة قبل أن يصل إلى مدرسته.. ولم يتغيب عن مدرسته إلا للضرورة.. أنا أتكلم عن سبعينيات القرن العشرين.. ومدارس اليوم يغيب منها نصف الطلبة.. رغم أنها لا بعيدة ولا متعبة! مفارقة غريبة حقًا!.

الأهالي والأجانب.. الكاوبوي الأمريكي الذى أقحم قواته العسكرية فى أراضى العرب والمسلمين، ليحمي مصالح إسرائيل، وينهب خيرات البلاد التي يحتلها.. أتى أمام العالم بوجه مكشوف متبجح، وادعى أنه يضحى من أجل السلام العالمى، ومن أجل عيون الشعب الأمريكي وراحته!.. صفاقة بلا حدود.
 
وبريطانيا عندما احتلت مصر، فعلت نفس الشىء.. أغلقت المصانع المصرية، ثم قالت: إن الشعب المصري يجب ألا يهدر طاقته فى غير الزراعة!.. وأن الإنجليز أولى بالتضحية والتعب، وبحمل مهمة التصنيع الشاقة!!
 
فالشعب المصري يزرع.. والشعب الإنجليزي ينتهب هذا الخير فيستهلكه أو يـُصنـّعه.. ثم يفتحون أسواق مصر للمصنوعات الإنجليزية، ذات الخامات المصرية.
وهذه السرقة العلنية سماها الإنجليز "تضحية"!
 
والتعليم أيضًا..
فهم رفعوا مصروفات التعليم لتعجيز الأهالي المنهكين ماديًا.. ثم أغرقوا المدارس باللغة الإنجليزية على حساب العربية.. وادعوا أن هذا ضروري؛ حتى يستطيع الموظفون التفاهم مع رؤسائهم الإنجليز بلغة مفهومة!
 
والحاكم كان صديقًا للإنجليز، أو موظفًا عندهم.. فالخديو سعيد الذى أغلق المدارس الحكومية.. أنشأ مدارس أخرى أجنبية، أنفق عليها أضعاف ما أنفقه على مدارس الحكومة.
 
وعدد المدارس الحكومى فى عهد الخديو إسماعيل (36) مدرسة فقط.. أما المدارس الأجنبية (93) مدرسة، وبعدها بعشرين عامًا، زادت المدارس الأجنبية إلى الضعف: (191) مدرسة.. فى مقابل (40) مدرسة أميري فقط!
 
 ولكي تعرف مدى انحدار التعليم حينذاك.. يكفى أن تعرف أن عدد الناجحين فى الشهادة الابتدائية سنة (1900) فى مصر كلها لم يزد على (707) تلاميذ، وخمس فتيات... وسنة (1903) لم ينجح فى الشهادة الثانوية أكثر من (125) طالبًا فحسب!
 
ثم أن مدارس التعليم العالى توالى إغلاقها، حتى مدرسة الزراعة، رغم أن الإنجليز ادعوا اهتمامهم بالزراعة!..
 
وأصبحت الحربية تقبل راسبي الابتدائية.. وألغيت المدرسة العسكرية البحرية.. ورغم ذلك كان الجيش هو من قام بالثورة، وطرد الإنجليز.
 
وعندما نامت الحكومة، استيقظ الأهالى.. وصارت هناك ميزانية أخرى غير ميزانية الدولة هى ميزانية الشارع والناس.. ففي عهد إسماعيل، صنع الأهالى مدارس ابتدائية بمصاريف بسيطة أو بلا مصاريف، وألغوا النظام الداخلى بها، فهى دراسة بلا مبيت.
 
ثم بدأوا مع محمد فريد فى إنشاء مدارس ليلية مجانية، مستغلين الحرب العالمية الأولى.. حيث الإنجليز يتملقون المصريين ويمنحونهم بعض المزايا المحدودة.
كما تحولت الكتاتيب كلها إلى مدارس ابتدائى.. بها (5,000) تلميذ.
 
وحتى الجامعة المصرية قامت على تبرعات الأهالى، وعطاء الأثرياء، وهذا النموذج الفريد معناه أن رأس المال الشعبى يستطيع أحيانًا أن يتكلم.. وأن الصدقات والتبرعات قد تصنع مجتمعًا جديدًا رائعًا.
 
[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة