Close ad

في ماراثون اللمة تختفي الابتسامة الصفراء

3-5-2022 | 13:11

كان يا مكان في قديم العصر والأوان، لا يحلو العيد إلا باللمة، وبدون اللمة لا تكتمل فرحة العيد، وفي ماراثون اللمة سباق حميم في التراحم وفي إبداء مشاعر الود، وفي اللمة يتسابق الكبار إلى الصغار بالعيدية، وفي اللمة كان البعيد والقريب على موعد محدد سابقًا من قِبل السماء.
 
وفي لمة العيد باقات متنوعة، فهذه لمة للعائلة، وأخرى لمة للأصدقاء، وثالثة لمة للجيران، وفي اللمة تغتسل القلوب من الأحقاد والخبث، حتى الأحزان تخرج بلا رجعة، وكان في الزمن الفائت لا يعرف أحد فيها معنا للاكتئاب، الذي صار كالسوس ينهش في النفوس، وكانت اللمة عيادة نفسية وروحانية تتداوى فيها أوجاع القلوب.
 
وفي لمة العيد تتطاير رسائل محملة بالسلام والعفو، رسائل نقية من الابتسامات الصفراء، وفي اللمة تتعجب القلوب وتستنكر كيف نجلس مع أخلاء وجيران ونكره بداخلنا الخير لهم ونتمى لهم الخراب ونحفر آلاف الحفر في طريقهم؟
 
ولم يكن الإحساس بعودة اللمة انتكاسة نفسية للحنين إلى الماضي، إنما فضيلة اجتماعية ضاعت بسبب إدمان جشع الأنا، وانسحاب لمشاعر المودة والتراحم من النفوس، ولكي يسكِتوا أصحاب الأنا بداخلهم أنين مشاعر الحنين للمة، بدّلوها برسائل صماء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكنا في وقت قريب نستنكر اقتصار التهاني من خلال الاتصال المباشر بالهاتف.
 
ومن الطرائف يصير مجرد الشعور بالحنين إلى لمة الزمن الجميل أحد وسائل علاج الاكتئاب، ويقول الدكتور فرايد ديفيز أستاذ علم النفس الأمريكي: أن الحنين إلى الذكريات الدافئة أفضل علاج لحالات القلق، ويرفع من الروح المعنوية، ويستبدل مشاعر الانهزامية بروح التفاؤل، ويقضي على الإحساس بالعزوف عن الآخرين.
 
وفي لمة العيد تصدر قرارات، ويمنح في اجتماعها قرض حسن لابن العم لسداد دينه، وتعرض وظيفة لابن الخالة العاطل، ويُكلف وفد عائلي لحسم خلاف بين زوجين، ووفد آخر لحل نزاع عائلي بين ورثة، وبفضل اللمة تنخفض نسب القضايا أمام المحاكم، وتصبح اللمة بمثابة مرجعية لضبط سلوك الكبير قبل الصغير.
 
وا أسفاه فقد انحسرت اللمة على كراسي المقهى لمشاهدة مباراة كرة قدم، ونراها أمام المجمعات الاستهلاكية، ونلاحظها حول مشاجرة للفرجة، ونتيجة لغياب اللمة المشبعة بالنخوة ذبح القاتل رأس الرجل صباحًا أمام أعين الناس في الإسماعيلية، وانزوت في المجالس السرية للتآمر والخديعة.
 
وحينما يشاهد الشباب مسلسلات في ماسبيرو زمان، أو أغاني  لأم كلثوم ولعبدالحليم ولمحرم فؤاد، يشاهد معها مظاهر الحياة القديمة، التي تبعث لديهم الأمل نحو حياة تنعم بالسلام، وعند مقارنتهم بما يتلقونه من دراما تضج بمشاهد العنف وبحوار لا يخلو من البذاءة، يكتشفون السطحية والسذاجة والإسفاف، وفي المقابل يفقدون الشعور بالانتماء إلى المكان والزمان، ونحذر في نفس الوقت من البكاء على اللبن المسكوب، لأن صانع واقع الزمن الجميل هو الإنسان.
 
Email: [email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة