Close ad

جلال المشاهدة في المرآة الكونية (3)

1-5-2022 | 13:54

ولا نزال نحدق في جماليات المرآة الكونية ونواصل جلال المشاهدة في فاتحة القرآن الحكيم، ويمدنا   العالم الجليل فخر الدين الرازي في موسوعته الرائدة والتي لم تتكرر في مسيرة القراءات المتعددة لعلمائنا الذين هم مصابيح فكرية معلقة في فضاء الفكر الإسلامي، مرتبطة بزمانها ومكانها، وكثير من آطروحاتهم تجاوزت الزمان والمكان ولا تزال تشع بشكل أو بآخر. 
 
وفي هذه الومضة نتوقف مع خطوط الاتصال النورانية بين سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، إذ ترتكز الدعوة المحمدية على سبعة أمور ذكرها الله تعالى في خاتمة سورة البقرة وهي قوله: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله.. وملائكته.. وكتبه.. ورسله..} فهذه الأربعة  متعلقة بمعرفة المبدأ، وهي معرفة الربوبية.
 
ثم ذكر بعدها ما يتعلق بمعرفة العبودية وهو مبني على أمرين: أحدهما المبدأ، والثاني، الكمال، فالمبدأ هو قوله تعالى {وقالوا سمعنا وأطعنا} لأن هذا المعنى لا بد منه لمن يريد الذهاب إلى الله، وأما الكمال فهو التوكل على الله والالتجاء إليه وطلب الرحمة منه والمغفرة وهو قوله {غفرانك ربنا} ثم إذا تمت معرفة الربوبية بسبب معرفة هذه  الأصول الأربعة، وتمت معرفة العبودية بسبب معرفة هذين الأصلين، لم يبق بعد ذلك إلا الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب، والاستعداد للذهاب إلى الميعاد، وهو المراد من قوله {وإليك المصير}.
 
ويتكشف من هذا أن المراتب ثلاثة: المبدأ، والوسط، والميعاد، 
أما المبدأ فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمور أربعة: وهي معرفة الله، والملائكة، والكتب، والرسل.
 
وأما الوسط فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمرين: {سمعنا وأطعنا} نصيب عالم الأجسام، و{غفرانك ربنا} نصيب عالم الأرواح. 
 
وأما النهاية فهي تتم بأمر واحد، وهو قوله {وإليك المصير}، فابتداء الأمر أربعة، وفي الوسط صار اثنين، وفي النهاية صار واحدا، ولما ثبتت هذه المراتب السبع في المعرفة تفرع عنها سبع مراتب في الدعاء والتضرع: 
 
1- قوله {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ضد النسيان هو الذكر كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أذكروا الله ذكرا كثيرا} وقوله {واذكر ربك إذا نسيت}  وقوله {واذكر اسم ربك} وهذا الذكر إنما يحصل بقوله {بسم الله الرحمن الرحيم}.
 
2- قوله {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} ودفع الإصر، والاصر هو الثقل، يوجب الحمد، وذلك إنما يحصل بقوله {الحمد لله رب العالمين}.
 
3 - قوله {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} إشارة إلى كمال رحمته، وذلك هو قوله {الرحمن الرحيم}.
 
4 - قوله {واعف عنا} لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين، وهوقوله {مالك يوم الدين}.
 
5 - قوله تعالى {واغفر لنا} لأنا في الدنيا عبدناك واستعنا بك في كل المهمات، وهو قوله {إياك نعبد وإياك نستعين}.
 
6 -  قوله }وارحمنا} لانا طلبنا الهداية منك في قولنا {إهدنا الصراط المستقيم}.
 
7 ـ قوله {أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} وهو المراد من قوله {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.
 
هذه المراتب السبع في آخر سورة البقرة ذكرها النبي  عليه الصلاة والسلام في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج، فلما نزل من المعراج، فاض أثر المصدر على المظهر، فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر، كما نزلت هذه الأنوار في عهد محمد عليه الصلاة والسلام من المظهر إلى المصدر، فلهذا السبب قال: {الصلاة معراج المؤمن}، وثمة محور يتخلق من هذه اللطيفة، إذ إن الفاتحة تغلق مداخل الشيطان الثلاثة ذلكم أن الشيطان يتسلل  إلى الإنسان من  مداخل ثلاثة هي: الشهوة، والغضب، والهوى، فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منه، والغضب آفة لكن الهوى أقوى منه، ومن ثم يقول تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} والمراد من الفحشاء آثار الشهوة، والمراد من  المنكر آثار الغضب، والمراد من البغي آثار الهوى، بالشهوة يصير الإنسان ظالما لنفسه، وبالغضب يصير ظالما لغيره، وبالهوى يتعدى ظلمه إلى حضرة جلال الله تعالى. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله، والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضا، والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه.
 
فمنشأ الظلم الذي لا يغفر هو الهوى.  ومنشأ الظلم الذي لا يترك هو الغضب. 
 
ومنشأ الظلم الذي عسى الله أن يتركه  هو الشهوة.
 
ثم لها نتائج:  فالحرص والبخل نتيجة الشهوة. والعجب والكبر نتيجة الغضب. والكفر والبدعة نتيجة الهوى.
 
فإذا اجتمعت هذه الستة في بني آدم تولد منها سابع- وهو الحسد- وهو نهاية الأخلاق الذميمة. ولهذا السبب ختم الله مجامع الشرور الإنسانية بالحسد، وهو قوله {ومن شر حاسد إذا حسد}، كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة وهو قوله {يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس}.
 
وتمتد الخيوط الالهية من الفاتحة إلى المعوذتين، وهذه هي الومضة القادمة في المرآة الكونية إن شاء الله.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة