Close ad
30-4-2022 | 11:19
أجواء الشعر عند العرب أجواء مقبضة غير صحيّة؛ فالشعراء كالجُزر المنعزلة، بينهم عداوات وبغضاء غير مفهومة كأنهم ضرائر، فمهما كانت أشعارهم رقيقة حساسة وعواطفهم مرهفة، تُثار بينهم تلك النعرات الكريهة، فالكبراء منهم يعتزلون العداوة فيُتّهمون بالتكبر، وصغارهم يُكرِّسون أشعارهم للنيل من غيرهم فيُتهمون بالعدائية والحقد. وحبذا لو اجتمعوا فيما يفيد؛ خاصة وأنهم يتنازعون على لا شيء.


 


وهذا الشاعر (إبراهيم الغزي) هجر الشعر فسئل عن هذا فأجاب قائلًا:


قالوا هجرت الشعر قلتُ ضرورةٌ


بابُ الدواعِي والبواعثُ مُغلَقُ


 


خَلت الديارُ فلا كريمٌ يُرتَجى


منه النَوالُ، ولا مليحٌ يُعشقُ


 


ومن العجائبِ أنه لا يُشترى


ويُخاف فيه مع الكسادِ ويُسرقُ


 


 ففي رأيه أن الشاعر مغبون على كل حال، بضاعته بلا ثمن، ورغم كسادها يسرقها منه الآخرون.


 


كان في قُدامَى الشعراء – كما هو الآن- "هاكرز"، أي لصوص وقطاع طرق، لا يسرقون مالًا، ولا يسطون على قوافل، وإنما يسرقون أشعارًا وأبياتًا من آخرين. ولانتشار تلك الخصلة الدنيئة الذميمة، فإن العرب قسّموا السرقات الأدبية إلى درجات وأنواع.. فهناك "الاجتلاب"، و"الانتحال"، و"الغصب"، و"الاختلاس"، و"الإغارة"، و"المرادفة"، و"الاهتدام"، و"الإلمام"، و"المواردة".. شاعر مثل (الفرزدق) سطا على بيت شعر من أحد الشعراء المغمورين الجبناء بطريقة "الغصب" فقال له: "لتدَعنه أو لتدعن عِرضك"، فخاف الشاعر وتنازل له عن بيت الشعر!


 


ادَّعي (جرير) تأليف بيتين من الشعر، ثم اتضح أنهما لشاعرٍ آخر.. وهذا "انتحال".


 


وانتشرت "الإغارة" كنوع من السطو على إبداع الآخرين بين أدباء معاصرين وقدامى.. وهي أن يستولي الأديب ذائع الصيت على إبداع أديبٍ متدرب ثم ينسبه لنفسه، لعلمه أنه مأمون الجانب لا يستطيع إثبات نسب الإبداع لنفسه. فتتصادم الكلمتان، وتكون الغَلبة للأديب الكبير صاحب النفوذ والكلمة والمال.


 


وهناك أنواع من الاقتباس الحميد. مثل (توارد الخواطر: "المواردة")، ومثل (اقتباس المعنى: "الاهتدام")، أو (اقتباس الفكرة: "الاختلاس")، أو (أخذ الفكرة من عدة مصادر: "الإلمام")، أو (التنازل عن البيت برضا:"المرادفة").. وكل تلك الأنواع جمعها (ابن الأثير) في أقسامٍ خمسة هي: (النسخ، والمسخ، والسلخ، والعكس، والزيادة).


 


ليوم هناك قوانين وجهات تضمن للمبدع حقه في التأليف والإبداع، وهناك عقوبات على السرقات الأدبية.


لكن (بيرم التونسي) عانى سرقة أفكاره، فسلط لسانه الناقد على مثل هذا التصرف الدنئ بين الأدباء :


(لصوص الأدب)


يا سخيف يابن صفيقة   ضَجرت منك الخليقة


أبدًا تُحدِث كالناقوس  أصواتًا عتيقة


هل ترى الناقوس قد    غَيَّر في الدنيا زعيقَه


أم رأيتَ الجحشَ يستبدل ما عاش نهيقَه


أنت مكروب وعَفن     فوقك انصبَّ الفنيكا


حاملٌ جمجمةً جوفاء    بالقطع طليقة


أنت في الكُتّاب كالجميز    في وسط الحديقة


لا تقف لي وقفة الأبله لا يدري الحقيقة


مستعيرًا هيئة المظلومِ يسترعِي صديقَه


كَم وكم تسرق مني      فكرةً كانت رشيقة


إن بركان فيزوف          فاجرٌ كله فيكا


 


 في الدول المتحضرة هناك كرسي لأمير الشعراء في كبرى الجامعات يتم بالانتخاب، وهو كرسي شرفي يُختار له من يستحق وفقًا لمعايير، وبطريقة محترمة وراقية. والشعراء هناك يُحتفي بهم من جانب الدولة والمثقفين والعامة جميعهم. هذا في الغرب. أما نحن – فللأسف- يحفل حاضرنا وتراثنا بأنواع شتى من الاحتكاك والتربص بين فُرادَى الشعراء وطوائفهم، والدولة لا تكترث للشعراء ولا تعبأ بأحوالهم، ناهيك عن عامة الناس الذين صرفتهم همومهم ومتاعبهم عن الاهتمام بالشعر والشعراء.


 


لأن الشعر الحديث هو ابن الصحافة. فإن حال الصحافة أنكى وأشد بؤسًا، واستمِع بنفسك لاعتراف واحد من أساطين الصحافة المصرية (عادل حمودة) يقول منتقدًا حال العداءات والاحتكاكات بين الصحفيين والإعلاميين، فيقول: (علمني "صلاح حافظ" –رئيس تحرير سابق لروز اليوسف – الدرس الذهبي الذي فقدناه فيما بعد، إن الخلاف في الرأي مهما اشتد لا يجدر أن يمتد للعلاقات الإنسانية، إنها ليست تمثيلية، ولا يجب أن تكون مجزرة، إننا لا نتعلم من الكبار الحرفة فقط. وإنما نتعلم منهم الأخلاق أيضًا.


 


والمؤكد أن هذه القاعدة دُفنت في ذمة التاريخ. فما إن يختلف كاتب أو إعلامي مع آخر حتى يفتحا كل محابِس الصرف الصحي مبتعدين عن القضية الموضوعية إلى فضائح شخصية.


 


 واستفادت السلطة السياسية من ذلك الانهيار في منظومة القيم الصحفية وراحت في الخفاء تدفع رجالها لتوجيه الطعنات المسمومة لخصومها على الورق وأوقعت بين الطرفين وحرّضت فيهما نوازع الغل والانتقام.. ).. (وعندما انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي استشرت الظاهرة وأصبحت عقابًا فوريًا لكل مخالف يجب الإجهاز عليه).


 


[email protected]                                 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة