Close ad

د. شيرين الملواني تكتب: "نظرة على الانتخابات الفرنسية"

18-4-2022 | 14:38

منافسة قوية ومواجهة ساخنة بين "إيمانويل ماكرون" ومنافسته في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية "مارين لوبان"، اتخذت المواجهة طابعًا إعلاميًا قويًا بعد انطلاق الحملة للجولة الثانية، مع نزول الرئيس المنتهية ولايته على الأرض، فيما تسعى مرشحة اليمين المتطرف إلى إثبات أنها مؤهلة للحكم.
 
والحقيقة أن ظاهرة "لوبان" تستحق التأمل كمرشحة "التجمع الوطني اليميني المتطرف"؛ فقد غيرت لهجتها وعدلت من وتيرتها المُعتمدة منذ سنوات في تحول تعجب له الجميع؛ فقد كانت قبل أسابيع قليلة تشن حملة خافتة، مع التركيز على زيارة بلدات صغيرة في "فرنسا المنسيين" وعلى مسألة القدرة الشرائية، ووجدناها وقد تركت التصريحات الأكثر تطرفًا حول الهجرة والمهاجرين والإسلام والمسلمين إلى منافسها في صفوف اليمين المتطرف "إريك زمور"، في تحول كبير وذكي كمحاولة تلطيف صورتها مع المحافظة على برنامجها الدعائي.
 
والمُطلع على المجريات من الداخل؛ سيجد أن "لوبان" تبذل كل شيء لكي لا تجازف بإيقاظ صورة المرشحة الخطرة العنصرية؛ فهي لم تعد تضع اسمها على الملصقات، وفي منشوراتها تكاد لا تتحدث عما نادت به لسنوات؛ تريد أن تجعل الناس ينسون تنمرها وتهديدها ووعيدها للمهاجرين، وهو ما زاد من ترقب الناخب الفرنسي للنتائج القادمة. 
 
لا يقل عنه ترقبًا وتوترًا وقلقًا مواطن برلين وبروكسيل وعواصم أوروبية عديدة! فالكل في انتظار جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي تجري يوم 24 أبريل/ نيسان، وسط مخاوف من سيناريو فوز مرشحة اليمين الشعبوي زعيمة حزب "التجمع الوطني" مارين لوبان على منافسها -متصدر الدور الأول في الجولة الأولى- الرئيس إيمانويل ماكرون، مؤسس حزب "الجمهورية إلى الأمام" الليبرالي الوسطي، هنالك مؤشرات تجعل هذا السيناريو قائمًا رغم أن المتفائلين سواء في برلين أو بروكسيل، يستندون إلى أرقام الدور الأول -حيث حقق ماكرون تقدمًا- بالإضافة إلى ما يُنتظر منه لتحسين أدائه باستقطاب المترددين، وحث المرشحين المحافظين الذين لم يفوزوا في الدور الأول، بالتصويت له، ومن أبرز مؤشرات القلق في الدور الأول، أن أكثر من نصف الناخبين صوتوا لأقصى اليمين أو اليسار؛ وهو ما يكشف حدة الانقسام في المجتمع الفرنسي، ولا يبعث فقط على القلق بسبب فشل الرئيس ماكرون خلال ولايته الأولى في ردم الهوة وعدم الثقة المتزايدة داخل فئات واسعة من المجتمع الفرنسي في السياسة وفي الوحدة الأوروبية، بل تُعَد الصدمة للساسة الأوروبيين الذين يهتمون بالمشهد الفرنسي؛ أن نتيجة الانتخابات ترسم صورة بلد منقسم بشدة! فهناك أكثر من خمسين في المائة من الناخبين أدلوا بأصواتهم لمرشح يساري أو يميني شعبوي؛ مما يدعونا لتصنيف هذا الفعل بالمتطرف الصادم.
 
وتلقي الغالبية باللوم على إيمانويل ماكرون، لتعامله "بتعالٍ" مع الناخبين ومخاوفهم اليومية الداخلية، حيث ظل يقدم نفسه من أعلى بصفته رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي وكزعيم عالمي يدير الأزمات وخصوصًا الأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى أخطاء عديدة ارتكبتها حملته في الدور الأول، منها التركيز على ملفات السياسة الخارجية على حساب القضايا الداخلية، وطريقته الفاترة والسطحية في التفاعل مع الناخبين، مما جعله يواجه معضلة تغير مزاج الناخب الفرنسي من حيث نظرته إليه كرئيس كان يمثل في انتخابات 2017 صوت الجيل الصاعد ويُعَد باعث الأمل والتفاؤل، والآن يُنظر إلى حصيلته في خمس سنوات من الحكم بشكل نقدي، في قضايا عديدة داخيلة بالأساس، مثل التداعيات الاقتصادية وخاصة ملف رفع سن التقاعد.
 
وما يضاعف المخاوف في الجولة الثانية للاقتراع، هو الانهيار شبه التام للأحزاب التقليدية في اليمين المحافظ واليسار الاجتماعي، وهو ما تفسره نسبة الأصوات الضعيفة التي حصل عليها مرشحو الأحزاب المحافظة والاشتراكيون، مقابل النسبة المرتفعة التي حصل عليها مرشح أقصى اليسار، زعيم حزب "فرنسا الأبيّة" جون لوك ميلونشون، والتي تجاوزت خُمس أصوات الناخبين؛ وهو ما سيجعل موقف هذه الكتلة الناخبة مؤثرًا بشكل كبير، ورغم دعوة ميلونشون لعدم التصويت لمرشحة اليمين المتطرف، لا يُستبعد أن يصوت لها بعض ناخبيه، خصوصًا أنه لم يدعُ صراحة للتصويت لماكرون، كما أن لوبان ركزت حملتها بين الفئات الفقيرة والمتوسطة المتضررة من أزمات جائحة كورونا وحرب أوكرانيا والسياسات الليبرالية، وهي فئات تشكل تقليديًا القاعدة الانتخابية للأحزاب اليسارية، كما استفادت لوبان في حملتها الحالية من دروس انتخابات 2017، بعدم التركيز على قضايا الهجرة والإسلام، التي احتلت مكانة أساسية في حملة اليميني المتطرف الآخر "إريك زمور"، وهو وضع يقلل من النظرة السائدة بعدائها للمهاجرين وللمسلمين ويمنحها فرصة الاستفادة من أصوات فئات منهم.
 
ضرب الفزع عددًا من الدول الإسكندنافية ودول البلطيق وشرق أوروبا مما يحدث في أوكرانيا، هو ما يدفع الآن فنلندا والسويد إلى التفكير في الخروج من حالة الحياد والانضمام إلى حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي ضاعفت من نفوذها في أوروبا في خضم أزمة أوكرانيا، فهل يعني ذلك بالضرورة تقوية للاتحاد الأوروبي؛ بعض المؤشرات تُظهر أن مستقبل الاتحاد الأوروبي ليس آمنا، فقد حظي اليميني المحافظ فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر، صديق الرئيس بوتين، بثقة الناخبين لولاية رابعة على التوالي.
 
أما في فرنسا، البلد الذي توجد به ثقافة سياسة "الاستقلالية" عن حلف الناتو منذ زمن الزعيم المحافظ الراحل الجنرال شارل ديجول، تظهر مؤشرات تصويت الناخبين في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، أن قضايا السياسة الخارجية والدفاعية التي ركز عليها ماكرون في حملته الانتخابية، لا تحظى بالأولوية في اهتمامات الناخبين، بقدر ما يهتمون بمشكلات داخلية في صدارتها ارتفاع أسعار مواد الطاقة والغذاء مقابل تراجع القدرة الشرائية والتأمين الاجتماعي، وهذه القضايا تعتبر من تداعيات حرب أوكرانيا، وقد وظفتها مارين لوبان في حملتها، وتمكنت بفضلها من تقليص الفارق في النقاط مع ماكرون، بل إن الناخبين لم يكترثوا كثيرًا بحملة انتقادات شنها عليها خصومها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، مثل توزيع منشور يظهر مصافحتها للرئيس بوتين، ومعلومات عن تلقي حزبها تمويلًا بقيمة كبيرة من بنك روسي سنة ٢٠١٤، على الرغم من أن لوبان انتقدت الغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أنها لم تكن تخفي منذ سنوات عداءها الصريح لحلف الناتو، وتتوعد بسحب القوات الفرنسية من هيكل قيادة الحلف.
 
والسؤال الذي ننتظر إجابته قريبًا وخلال شهر نيسان، هل تفعلها مارين لوبان؟ وهل اعتلاؤها كرسي الجمهورية الفرنسية سيعود بالنفع على المواطن الفرنسي اقتصاديًا واجتماعيًا وقبلهم سياسيًا؟ سننتظر الإجابة في الأحداث القادمة، ولكن اليقين بأن لوبان ليست بالحليف الوسطي سهل التعامل والتحاور والإقناع في سياستها مع كل ما يمت للشرق الأوسط بصلة، ولابد ألا نقتنع كليةً بعذوبة لسان حملتها الأخيرة!!! فلننتظر ونرى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية

د. شيرين الملواني تكتب: "عن رُهاب الشعوب"

إذا ما صادف مواطن فرنسي آخر ألمانيًا في شوارع باريس، ستجد عدم ترحاب وتحفز بين الطرفين عند التعامل فيما بينهما، أما إذا تحاورت مع فرنسي سياسيًا وذُكر لفظ ألمانيا أمامه؛ فلن تشهد سوى الامتعاض على وجهه

الأكثر قراءة