Close ad

د. حسام الإمام يكتب: الزمن الجميل ( 2 )

19-4-2022 | 07:24

مرة أخرى، وليست أخيرة بإذن الله، ينجح جروب "الزمن الجميل" في إصلاح ما أفسدته الأيام. ينجح في لم شمل صحبة وأصدقاء تفرقوا منذ أكثر من ثلاثين عامًا. وفقًا لقانون ومنطق الأيام لا يوجد أي مبرر لتجميع تلك الصحبة.

ولا ألوم الأيام على ذلك فهي على حق، أصبح لكل واحد منهم مجال ومكان عمل مختلف، لكلٍ اهتماماته الخاصة وميوله التي قد لا تعجب الآخرين، بعد أن كانت ميولهم واهتماماتهم متقاربة إلى حد كبير ولا تخرج عن حل الواجبات المدرسية والتنافس في الحصول على أعلى الدرجات.
 
لكن جروب الزمن الجميل نجح منذ لحظة ميلاده الأولى في أن يكون اتفاقًا ضمنيًا أقره الجميع ووقعوا عليه بدون ورقة وقلم، وقعوا عليه بقلوبهم، اتفقوا على أن يتم اللقاء ولو لمرة واحدة في العام، على أن يعودوا جميعًا في هذا اليوم زملاء الإعدادي والثانوي والجامعة وليتوقف العمر بعد ذلك، لا شأن لهم به ولا شأن له بهم.
 
والحمد لله حافظت المجموعة على ذلك العهد، ولو شارك معنا شخص غريب لوجد متعة كبيرة في الإنصات والمتابعة لنا لأنه سوف يرى هؤلاء الرجال الذين قد تجاوزوا الخمسين وقد تحولوا إلى زملاء إعدادي وثانوي بنفس طريقة الهزار والنكات والضجيج الذي يحدث في تلك المراحل. يجدهم حريصين كل الحرص على نسيان ما مر من عمرهم وما وصلوا إليه وحققوه، يلهثون وراء لحظة وذكرى ترجعهم إلى زمان وأيام زمان بكل جمالها وبريقها. 
 
لا أشك في أن الجميع كانوا ينتظرون الإعلان عن موعد الإفطار المجمع لأعضاء جروب الزمن الجميل، وتم التنسيق والاتفاق على الجمعة الثانية من شهر رمضان الكريم. وللمرة الثانية تبدأ الأيام في المراوغة، ربما تكون قد غارت من نجاح الجروب في لم شملنا. بعض الأصدقاء اعتذروا عن الحضور لظروف خاصة، كان لذلك أثر سيء على الباقين، كنا نتمنى أن نلتقي دون نقصان، لكنها الأيام وهذا دورها وربما تكون خبرة "فقد الأحبة" هي الأكثر التصاقًا بنا والتى لم نستطع التخلص منها في طريق عودتنا إلى الطفولة، أو ربما تكون هي الدرس الذي يصلب أعوادنا ويمنحنا الصبر على الفراق لنستمتع بما تبقى لنا من وقت.. ربما.
 
افتقاد الأحبة هو أصعب امتحان، لكن الأيام عوضتنا عن ذلك بظهور وجوه جديدة لم تحضر معنا العام الماضي، أصدقاء آخرين حرصوا على الحضور، وألغوا كل التزاماتهم، لدرجة أن أحدهم أخبرني أنه لن يحضر بسبب تواجد "حماه وحماته عنده على الإفطار" فقلت له "علشان خاطري حاول.. محدش ضامن عمره.. يا عالم السنة الجايه هنكون عايشين ولا لأ" وفعلًا اعتذر لحماه وحماته وحضر معنا.
 
الشيء الوحيد الذي كان يوقظنا من تلك الغيبوبة الرائعة، النوستالجيا الحبيبة إلى القلوب، أن ترى إلى جوارك شابًا صغيرًا وتسأل من هذا فيجيب أحد الأصدقاء "ده ابني"، لقد اتفقنا أن نجلس ونتذكر الماضي وكأننا ما زلنا في الإعدادي والثانوي، فما أن ترى وجه أحد الأبناء حتى تفيق من غيبوبتك الجميلة وتعتدل في جلستك وتتحول مرة أخرى إلى "عمو". حتى إنني داعبت أحدهم قائلًا "ابنك إزاي؟ ده شكله في الجامعة.. خلفته إزاي وإنت لسه في تالتة اعدادي".
 
أيضًا من الأمور التي أفاقتني هذه المرة، الصغيرة الجميلة "ريماس" بنت أحد الأصدقاء، جاءت وجلست إلى جواري وقالت: عمو.. بابا قاللي إنك بتكتب قصص، قلت لها "مظبوط يا حبيبتي، قالت: طيب اكتب لي قصة، سألتها إنتي نفسك لما تكبري تطلعي إيه، قالت لي: أكبر إيه يا عمو، ادعيلي بس أنجح السنة دي. استغربت جدًا، البنت تبدو صغيرة لم تتجاوز تسع أو عشر سنوات، أدعيلها تنجح في إيه؟ سألتها: إنتي في سنة إيه يا حبيبتى، قالت في سنة رابعة ابتدائي.
 
انتبهت لنفسى وقلت لها: آآآآآه هو إنتي مع الناس إللي بشوفهم على الفيس كل شويه يعيطوا ويقولوا سنة رابعة سنة رابعة والامتحانات صعبة، والكلام ده؟ قالت لي بلهجة جادة: مظبووووووط يا عمو، ياللا ربنا يستر بقى. 
 
طبعًا أنا مش فاهم فيه إيه بيحصل مع طلبة سنة رابعة، لكن واضح إن الموضوع كبير ويستاهل نتوجه إلى الله بالدعاء لهم بالنجاح والفلاح والستر، على أمل إننا نشوفهم في سنة خامسة بإذن الله في أتم صحة وأحسن حال. ونجحت ريماس في أن تفصلني عن حالة النوستالجيا التي كنت استمتع بها لتعيدني هي الأخرى إلى "عمو حسام".
 
الرائع في الأمر أن كثيرين ممن ليست لهم صلة بالجروب بدأوا يسألونني عنه، كيف تجمعتم؟ كيف تنسقون لهذا اللقاء؟ وأخبرتهم بالتفاصيل وطالبتهم أن يفعلوا مثلنا، لكن اكتشفت أن نجاح هذا الجروب هو منحة من الله ليست متاحة للكثيرين. مثلًا هناك من يسكن القاهرة وكل أصدقاء طفولته في الصعيد، وهناك من اجتمعوا من خلال جروب لكنهم لا يستطيعون تنسيق مثل هذا اللقاء السنوي، وهناك ايضًا من لا يرغبون في لقاء آخرين كانوا من أعز أصدقائهم لكن نجحت الأيام في تغيير الطباع وطبعت عليهم خصالًا لم تكن فيهم فباعدت بينهم وبين أحبتهم. 
 
وشعرت فجأة بصعوبة ما يسره الله لنا وحمدته على ذلك كثيرًا، وبدأت أحس بالخوف على جروبنا الحبيب من الحسد وأردد قل أعوذ برب الفلق.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة